أستسمح القارئ الكريم عذراً في استعمال عنوان كتاب The Mind Managerse عالم الإعلام الأميركي الشهير والناقد الكبير للصناعة الإعلامية الأميركية «هربرت شيلر» كعنوان لهذا المقال. الموضوع يتعلق بالمغالطات والتضليل والتشويه والممارسات الإعلامية لبعض الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية الأميركية بحق العرب وثقافتهم وحضارتهم وتاريخهم.

فالمؤسسات الإعلامية الغربية ما زالت تستغل الأحداث الاستثنائية وبعض الحالات النادرة للتعميم والحكم المسبق والخاطئ على الكثير من الأمور. فآليات التشويه والتضليل ما زالت قائمة، وذهنية الكبرياء والتفوق والنجاح عند البعض، والحكم على الآخر بالتخلف والفقر والجهل ما زالت أفكاراً تسيطر على الكثير من صناع الرأي في الدول الغربية. الآخر عندهم ما زال متخلفاً وما زال لا يعرف كيف يتعامل مع المرأة، بل ما زال يستعبدها ويستغلها ويهينها ويضربها.

الآخر ما زال يتصيد الحالات النادرة والاستثنائية للحكم علة مئات الملايين من البشر وعشرات الدول. الآخر ما زال يستعمل «تسليمة نسرين» الجاهلة بقضايا المرأة في الإسلام والتي كتبت كتاباً يستعرض معاملة المرأة للإسلام، يستقبلها استقبال الأبطال ويستضيفها في برامج تلفزيونية لتخاطب الرأي العام بأفكار مغلوطة وغير مبنية على أساس علمي وتقوم على تعميمات لا أساس لها من الصحة.

تلعب وسائل الإعلام دوراً رئيسياً في رؤيتنا وتصورنا للآخرين وهذا وفق ما تقدمه لنا من صور وأفكار عنهم، وما يقال عن الأفراد يقال عن الدول والمجتمعات. فما نشاهده في الأفلام وما نتصفحه في الجرائد والمجلات وما نشاهده في التلفزيون وما نسمعه في الراديو عن المجتمعات الأخرى وعن شعوبها يحدد إلى حد كبير موقفنا من هذه الثقافات ومن هذه الدول وشعوبها وهذا نظراً لاعتبارات عديدة من أهمها أن معظمنا يعتمد على وسائل الإعلام لتكوين مخزون معرفي معين وصور ذهنية.

وفي الكثير من الأحيان لا يستطيع الفرد أن يصمد أمام ما يقدم له وإنما في غالب الأحيان يقف مستسلماً ولا يقاوم وإنما يتبنى ويتقبل خاصة في الأمور التي تخرج عن اختصاصه ومعارفه.لقد أكدت الدراسات العديدة أن هنالك علاقة ارتباطية إيجابية بين الصور الذهنية والنمطية حول الدول وتأثيراتها في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية فيما بينها. فهذه الصور تؤثر في الرأي العام الذي يؤثر بدوره في صنع السياسة الخارجية نحو هذا البلد أو ذاك.

وأغلب الظن فإن الدولة التي تُصوّر بطريقة سلبية وتعرض بصور نمطية وأفكار مضللة متحيزة ستجني رأياً عاماً سلبياً وبذلك ستكون في آخر قائمة الدول الصديقة والدول التي تتمتع بتبادل تجاري واقتصادي وثقافي معتبر، بل على العكس ستكون في أول قائمة الأعداء الذين تطبق عليهم سياسات التهميش أو الاحتواء والحصار الاقتصادي... الخ.

الموضوع يتعلق باستضافة صحافيتين أميركيتين شهيرتين، الأولى «أوبرا وينفري» والتي استضافت قبل فترة الصحافية السعودية رانيا الباز، والثانية «باربرا والتترز» والتي استضافت ابنة أخ أسامة بن لادن. والموضوع بطبيعة الحال كان يناقش ويستعرض إنجازات المرأة العربية ومساهمتها في عملية البناء والتشييد وأوضاعها في المجتمع ومعاملة الرجل لها،

وعلاقتها بعالم الشغل والإبداع والحريات الفردية إلى غير ذلك. ورغم شهرة الصحافيتين وخبرتهما الطويلة في البرامج الحوارية إلا أن المتتبع لمعالجتهما للموضوع يكتشف من الوهلة الأولى جهلهما وضحالة معلوماتهما بالتاريخ والحضارة والثقافة في العالم العربي والإسلامي.

بالنسبة لموضوع رانيا الباز، مع الأسف الشديد، نلاحظ الاستغلال الكبير والاستغلال البشع لقضية الصحافية السعودية ـ تعرضها للضرب من قبل زوجها ـ وتجدر الإشارة هنا أن الإعلام الفرنسي فعل الشيء نفسه مع رانيا الباز وجعل منها بطلة زمانها. وكأنها ممثلة المرأة العربية من الخليج إلى المحيط وكأن العنف الأسري لا يوجد في فرنسا ولا في أميركا لكنه يقتصر على العالم العربي فقط.

في برنامج «أوبرا وينفري» يستنتج المشاهد العادي، أن المرأة العربية تعيش في عصر الجهل والظلمات والعبودية، وأن هذه المرأة لم تحقق إنجازات ولم تتعلم وتدخل الجامعة وتصبح سياسية وباحثة وأستاذة في الجامعة وصاحبة أعمال وسلطة ونفوذ في المجتمع. «أوبرا وينفري» قدمت نداء للنساء الأميركيات ودعتهم لحمد الله وشكره على ولادتهم وانتمائهم ووجودهم في بلد الحرية والرفاهية وحقوق الإنسان.

«وينفري»، ومع الأسف الشديد، قدمت وتكلمت عن المرأة العربية في 22 دولة عربية يفوق تعداد سكانها 300 مليون نسمة من خلال شجار عائلي بين زوج وزوجة قد يحدث في أي بقعة من العالم وفي أي لحظة. الغريب في الأمر أن الصحافية السعودية قدمت نفسها كبش الفداء وعلى طبق من فضة للصحافية الأميركية لتفعل بها ما تشاء وتشتم تاريخها وحضارتها وسمعتها وأصولها وحضارتها على التلفزيون في جميع دول العالم.

وباعتراف رانيا الباز نفسها فإن «أوبرا وينفري» تلاعبت بالتسجيل كما شاءت ـ البرنامج كان مسجلاً ـ وحذفت كل كلمة أو لقطة لم تخدم وجهة نظرها وفكرتها المسبقة عن المرأة العربية. أما بالنسبة لـ «باربرا والترز» وهي كذلك صحافية مخضرمة ولها سمعة كبيرة جداً في الأوساط الإعلامية الأميركية وخبرة لا تقل عن الثلاثين سنة،

فإنها مع الأسف الشديد، وبدلاً من أن تساهم في إثراء حوار الحضارات والتعرف على الآخر بطريقة علمية وموضوعية تحترم فيها خصوصيات الثقافات والشعوب، نلاحظ استعمالها لابنة أخ أسامة بن لادن لإعطاء فكرة للمشاهدين أن هذه البنت كانت تعيش في جحيم وعندما تركت أبيها بعد طلاقه من أمها انتقلت للعيش في عالم الطمأنينة والحرية واحترام حقوق الإنسان.

هذه «الفبركة الإعلامية» والتلاعب بعقول الناس تعتبر جريمة في حق مهنة الحريات ومهنة شريفة مثل مهنة الصحافة، التي من المفروض أن تساهم في التقارب بين الشعوب والحضارات انطلاقاً من محاولة قراءة الآخر وفهمه واحترامه واحترام خصوصيته وثقافته وحضارته. نحن هنا لا ندعو إلى العنف الأسري، ولا إلى استغلال المرأة أو استعبادها، لكننا ندعو إلى الإنصاف وعدم التعميم وتقديم وجهات النظر المختلفة.

«أوبرا وينفري» و«باربرا والترز»، مع الأسف الشديد، لم تقوما بواجبهما المهني على أحسن وجه وكما ينبغي، حيث كان من المفروض دراسة واقع ووضع المرأة في الوطن العربي والتعرف على الوجه الآخر من الصورة وهو إنجازات المرأة ودورها في الوطن العربي.

فالمرأة العربية ساهمت في تحرير بلدها من الاستعمار، كما ساهمت في عملية البناء والتشييد والتنمية. المرأة العربية موجودة في جميع مجالات الحياة، في الجامعات، في المستشفيات، في البرلمانات، في المصانع، في المدارس، في البطولات الرياضية العالمية وفي الألعاب الأولمبية... والقائمة طويلة. وأهم من كل ذلك فالمرأة العربية تفتخر أنها تتدين بالدين الإسلامي الذي أعطاها كرامتها وشخصيتها وصان شرفها وحقوقها.

وأهم من كل ما تقدم فوضع المرأة العربية يختلف من دولة إلى أخرى وفي نفس الدولة يختلف من منطقة إلى أخرى. كما أن هناك أنواعاً وفئات من النساء. فالتعميم هنا ومحاولة وضع الجميع في نفس الخانة يعتبر مجازفة فكرية لا تقوم على أسس العلم والمنطق.

إلى متى التلاعب والتضليل والتشويه؟ وإلى متى تسميم وتحنيط العقول ولصالح من وفائدة من؟ إن ثقافة الحقد والكراهية واحتقار الآخر واستغلاله فكرياً وذهنياً وعقلياً لا تؤدي إلى الأمن والسلام في العالم ولا تفرز المحبة واحترام خصوصيات وثقافات الآخرين،

لكن مع الأسف الشديد آليات الفبركة والتضليل وصناعة الصور النمطية ما زالت تسيطر وتهيمن على المؤسسات الإعلامية الكبيرة والفعالة في العالم وما زالت تسيطر على الصناعات الثقافية التي تسيطر وتهيمن هي بدورها على عقول البشر في ظل العولمة والمجتمع الرقمي.

أتمنى لو أن الصحافيتين الأميركيتين بشهرتهما وخبرتهما دعتا امرأة عربية فرضت نفسها في علم الهندسة المعمارية على المستوى العالمي وأخرى حازت على ميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية، وثالثة تترأس حزباً سياسياً في بلادها. فالإعلام الغربي والأميركي على وجه الخصوص يتغنى دائماً بتقديم الرأي والرأي الآخر وتقديم القضايا والأحداث من مختلف الزوايا، فليطبق هذا المبدأ ويحترمه عندما يُصور الآخر.

أستاذ إعلام ـ جامعة الشارقة