تأتى الطالبة لغرفة الأخصائية مهرولة وترتجف.. تشتكي لها وتطلب منها الاتصال بأمها لتأخذها للمنزل لأنها تشعر بالخوف. تسألها الأخصائية لماذا أنتِ خائفة؟ فترد الطالبة هناك جن في الصف يحركون الكراسي ويصدرون الأصوات.. أنا خائفة أريد أمي. ترد الأخصائية «يللاه يللاه» على الصف بلا «هالخربطان».. أنا ما عندي وقت اتصل بأمك!

أخصائي اجتماعي آخر في مدرسة للبنين حاملا عصاه يجول بها في المدرسة ويضرب كل من يصادفه من التلاميذ الذين يعتقد بأنهم غير ملتزمين بالنظام. ويقول أنا أؤمن بأن الضرب من الوسائل المهمة للتربية التي يجب استخدامها.. يقوم هذا الأخصائي بجزء من وظيفته كأخصائي أما باقي الوقت فهو يقوم بأعمال وكيل المدرسة وذلك لأن الوكيل رجل كبير في السن ومريض.

وهذا الأخصائي وهب نفسه لمساعدته على حساب ممارسة مهنته كأخصائي وعلى حساب تلبية حاجات الطلبة المختلفة التي يجدر به أن يشبعها ويلبيها.الأخصائي الثالث يبدو أنه غير مقتنع بالراتب الذي يستلمه كل شهر ويحاول بكل الطرق إيجاد مصادر دخل أخرى لتحسين وضعه، وأحد هذه المصادر بالنسبة له الطلبة، فكل طالب يأتي إلى مكتبه لابد أن يسأله عن وظيفة أبيه أو مكان عمله؟

والهدف من السؤال ليس كسر الحاجز النفسي بين الأخصائي والطالب، أو محاولة التعرف على الطالب وحالته المادية وذلك من أجل تحديد ما إذا كانت تلعب دوراً في المشكلة التي يعانى منها، ولكن للأسف الشديد هدف الأخصائي هنا مادي وشخصي بحت، حيث إن معرفة وضع والد الطالب الوظيفي ستحدد نوعية الاستفادة المادية التي يمكن أن يحصل عليها.

أخصائية أخرى لا يردعها حياء ولا مخافة الخالق، تتسلى في جلساتها العامة مع صديقاتها بالحديث عن أسرار الطالبات ومشاكلهن الخاصة التي لولا وظيفتها كأخصائية لما تمكنت من معرفتها. هناك الكثير من هذه الأمثلة. فالميدان التربوي في دولتنا يزخر بقصص ومخالفات مهنية وأخلاقية كثيرة، ولا سبيل لنا لحصرها في مقال أو مقالين، وما ذكر أعلاه ليس إلا غيض من فيض.

والسؤال الذي يدور في ذهني هنا من هو المسؤول عن مثل هذه المخالفات التربوية والأخلاقية؟ ما الذي يغذي في ميداننا التربوي مثل هذه الممارسات الخاطئة؟ أين الخلل؟ هل هو في الفرد أم في الميدان؟ من المسؤول عن مراقبة مثل هذه السلوكيات اللاأخلاقية واللاتربوية للأخصائي وتصحيحها؟

إن ممارسات الأخصائيين التي لخصناها في الأمثلة الواقعية أعلاه متناقضة كلياً مع تعريف وظيفة الأخصائي الاجتماعي المدرسي ومع أهداف هذه المهنة النبيلة الواجب عليه السعي لتحقيقها. فالمهام الرئيسة المنوطة بالأخصائي العامل في المجال المدرسي هي محاولة مساعدة الطلاب وأسرهم للوصول للفرص والمصادر المتاحة لتطوير الإمكانيات الفردية لكل طالب والاستخدام الأفضل لها، وليس استخدام هذه الموارد لتحقيق المصلحة الشخصية للأخصائي،

أو استغلال الطلاب ماديا كما هو حال الأخصائي الذي ذكرناه في المثال أعلاه. هذا بالإضافة، إلي أن الأخصائي العامل في المجال المدرسي يعدّ المصدر الذي يقدم للعملية التعليمية الفهم المعمق للتطور السيكولوجي للطالب، وتأثير كل من الأسرة والمجتمع المحلي، والاختلافات الثقافية أثناء تفاعلها مع العملية العلمية على نمو الطالب النفسي والاجتماعي.

ومن الواضح أمامنا هنا مدى تناقض وتعارض سلوك الأخصائية مع الطالبة الخائفة من الجن مع هذه المبادئ الأساسية، إذ يبدو أن هذه الأخصائية ليست معنية بحالة طالبتها النفسية ولا حتى بمحاولة معرفة سبب ارتجافها وخوفها الحقيقي بقدر ما هي معنية باستكمال حديثها مع باقي المدرسات المتجمعات في غرفتها للدردشة.

كما أن أحد المبادئ الأساسية في ممارسة الأخصائي الاجتماعي المدرسي نجده مفقودا هنا، وهو السرية والمحافظة على خصوصية العميل وأسراره. فالأخصائية التي تتسلى مع صديقاتها بالحديث عن أسرار الطالبات وخصوصياتهم هي أخصائية غير مؤهلة للقيام بمثل هذه الوظيفة وتنقض مبدأ أخلاقياً مهنياً في مركز العمود الفقري بالنسبة للممارسة الصحيحة،

فهذه الأخصائية بسلوكها هذا تعمل على تحطيم الطالبة نفسيا بدلا من مساعدتها على التطور والتحقق، ولو كانت في دولة من الدول التي تتابع وتراقب ممارسات الأخصائيين لكانت حرمت نهائيا من ممارسة المهنة، والحال هنا ينطبق على كافة الأمثلة الواقعية التي ذكرتها أعلاه.

ولا ننسى هنا أن أحد أهم أخلاقيات ممارسة الخدمة الاجتماعية المدرسية هو تنظيم الأخصائي لوقته وطاقاته والمهام المكلف بها كأخصائي من أجل إشباعها وانجازها بالشكل المطلوب مع مراعاة أولويات هذه المهام، وليس القيام بمهام وظيفة مدرسية أخرى لأن المكلف بها كبير ومريض. إن الموظف الذي يجد نفسه غير قادر على أداء وظيفته لأسباب صحية أو غيره من الأولى به، وهذه مسؤولية وطنية، أن يستقيل أو يتقاعد ويفسح المجال لمن هو قادر على العطاء والتغيير.

إن الممارسة الخاطئة لمهنة الخدمة الاجتماعية فيها من الخطورة ما قد يضر ويلحق الأذى ليس بالطالب فقط ولكن بالمؤسسة والمجتمع والمهنة نفسها على حد سواء. فلا غرو إذا واجه اليوم خريج الخدمة الاجتماعية الصعوبة في الحصول على وظيفة،

لأن من سبقوه في المجال لم يحترموا أخلاقيات مهنتهم وعملوا بوعي أو بدون وعي على تشويه وظيفة الأخصائي وممارسات الخدمة الاجتماعية. وختاما يجب أن أنوه هنا بوجود عوامل أخرى في الميدان التربوي تعمل على إعاقة بعض الأخصائيين الحريصين من أداء مهنتهم بالشكل المطلوب ولكن لا يسع المجال لذكرها هنا.

جامعة الإمارات