كانت الولايات المتحدة تملك لحربها على العراق مقدمات، وتقديرات ونتائج، ولكنها في سياق اكتشافها للتعثر اضطرت إلى اختراع أساطير من أجل تفسير ما حصل وردم الهوة بين الواقع والمرتجى.اعتبرت واشنطن أن الحرب مبررة، فالعراق في رأيها خطر داهم بأسلحته غير التقليدية، وكابوس مرعب بحكم صلاته بالإرهاب الدولي. لا شك الآن، في أن هذه المبررات سقطت، ومع اتضاح أن العراق لا يشكل مثل هذا الخطر، تراجع التأييد الأميركي الداخلي للغزو.
كذلك اعتبرت واشنطن أن الحرب ستكون سهلة، فالشعب العراقي ينتظر لحظة الخلاص وسينضم أفواجاً إلى قوات الاحتلال. لذا أسقطت الإدارة «عقيدة باول» التي جرى تطبيقها في حرب 91 (قوات عسكرية هائلة الحجم لا يسعها سوى الانتصار) واستبدالها بـ «عقيدة رامسفيلد» (قوات قليلة وسريعة).
كما أن البيت الأبيض استمع إلى شروحات بول وولفويتز عن أن النفط العراقي سيتكفل بإعادة بناء العراق. وإذا كانت التطورات أثبتت، أيضاً، أن كل ما بعد ذلك خرج عن أي تصور مسبق، وأن ما لم يخرج عن هذا التصور دفعته الإدارة الكولونيالية إلى الخروج بإقدامها على تسريح الجيش. حصل الانتقال من الحرب السهلة إلى السلام الصعب لا بل، ربما، إلى السلام المستحيل الذي يدل عليه بوضوح حجم التعثر الحالي.
توهمت واشنطن، بناء على المعطيين السابقين، أن «النزهة العراقية» ستتيح بناء نظام مستقر، موالٍ، ميال إلى التصالح مع إسرائيل، يتمتع بقدر معقول من الثقة الشعبية، وجرى الافتراض أنه في الإمكان تحويل هذا النموذج إلى واجهة السياسة الإيرانية الأميركية في الشرق الأوسط الكبير بحيث يتم الانطلاق منه للضغط على البلدان المجاورة حسب نظرية «الدومينو» المعروفة.
هنا، أيضاً، لم يطابق حساب البيدر حساب الحقل، ولذا فإن الولايات المتحدة إنما تمارس اليوم ضغوطها على بعض البلدان المجاورة حتى لا تتدخل في العراق؟اللافت حتى الآن أن جورج بوش لا يعترف بأي من هذه الأخطاء، إن الاعتراف بواحد منها، فكيف بها كلها، يستوجب مراجعة عامة للسياسة والتخلي عن الكثير من «العقائد» التي ارتبطت بها والتي باتت تشكل الوجه الذي تطل به الولايات المتحدة على العالم.
وفي استطراد الإصرار على الإنكار، لا يسع أركان الإدارة إلا تقديم المقاومة العراقية بصفتها «فعلاً إرهابياً» يقوم به يائسون يزدادون عنفاً بمقدار ما يزداد يأسهم. إن ما يحاولونه هو السعي إلى عرقلة التقدم الذي تريده أميركا للعراق تمهيداً لنقل عدوانيتهم إلى العالم كله. وتتعزز صفوف اليائسين هؤلاء بـ «جهاديين» يؤمون العراق مؤكدين بذلك أن هذا البلد ينطبق عليه وصف بأنه «الحلقة المركزية في الحرب على الإرهاب» وبؤرة المنازلة الدولية بين «الخير والشر».
وليس سراً أنه بقدر ما تزيد الدعاية الأميركية من دور «الوافدين» بقدر ما تنفي وجود أزمة سياسية في العراق نجمت عن رفض الاحتلال وعن سوء الإدارة الاستعمارية التي استولدت قضية وطنية.إن الولايات المتحدة، هرباً من أكاذيب سابقة، تحتاج فعلياً إلى توليد أسطورة جديدة، والأسطورة الجديدة اسمها: تدفق الإرهابيين من الخارج!
لكن ثمة عقبات أمام هذه الأسطورة كما سبق أن اعترضت عقبات الأكاذيب السالفة. فالإدارة لا تقدم أرقاماً تقريبية جدية عن عدد حاملي السلاح والمنخرطين فعلاً في المقاومة، فمن شأن الأرقام العالية أن توحي باحتضان شعبي للمقاومة، وأن تؤشر إلى أن المشكلة ليست صعبة فحسب وإنما مديدة أيضاً، ومن شأن الأرقام الضئيلة ألا تقدم تفسيراً لدوامة العنف وتصاعده ولا للعمليات العسكرية الكبرى، ولا لأرقام القتلى،
ولا لخروج مناطق بكاملها عن السيطرة، ولا لعدم ترك المسؤولية للعراقيين الموالين أنفسهم.إن تعظيم المقاومة مشكلة ورفض ذلك مشكلة، إلا أن الأسطورة يجب أن ترى النور، في ظل غياب الأرقام الرسمية القاطعة لا بد من اللجوء إلى تقديرات يطلقها صحافيون أو بحاثة زاروا العراق وراقبوا الوضع، وواكبوا العمليات، ويمكن من مراجعة سريعة لهذه التقديرات الخروج باستنتاج يقول إن أعداد المقاومين في العراق الداخلين في مواجهات مسلحة تتراوح بين عشرين وثلاثين ألفاً.
حسناً ولكن ما هي نسبة «الأجانب» ضمن هؤلاء . هنا، أيضاً، لا مؤشرات واضحة ولا معطيات مفيدة. كل ما نملكه هو ركام من التصريحات التي تهدد بالويل والثبور والتي تصر كلها على أن «تدفقاً» يحصل عبر حدود شبه مفتوحة، وفي مقابل هذه التصريحات نلاحظ، بعد اجتياح الفلوجة مثلاً، أو الحديثة، أو القائم (قرب الحدود السورية)، ان المعطيات عن «القتلى والأسرى الأجانب» إما ضعيفة أو غير موحية بأن العدد مرتفع.
ومن الممكن الافتراض أنه لو كانت الحكومة العراقية تملك أدلة حسية لكانت قدمتها تدليلاً على صحة الادعاءات الأميركية وادعاءات بعض وزرائها.هنا أيضاً لا بد من اللجوء إلى تقويمات ودراسات غير رسمية وإن كانت لا تخلو من الجدية، ويقال، في هذا المجال، ان نسبة المقاتلين الأجانب لا تتجاوز ولا بأية حال العشرة في المئة من عديد المقاومين أي أنها تقل، عملياً، عن الثلاثة آلاف،
وإذا افترضنا أن بعض هؤلاء كان موجوداً في المراحل الأولى للحرب جاز لنا الاستنتاج بأن الذين «تدفقوا» إلى العراق، منذ طرح الموضوع، هو في حدود الألفين.لنقم بعملية حسابية بسيطة، لنفترض أن الحرب تقترب من يومها الألف، ولنفترض أن كل المتوجهين للقتال في العراق يمرون عبر الحدود السورية(لا التركية ولا الأردنية، ولا السعودية والإيرانية...)،
نصل إلى الحقيقة القائلة بأن اثنين فقط يخترقان يومياً هذه الحدود الممتدة على حوالي 600كلم، هل يمكن تسمية ذلك بـ «التدفق»! ليس وارداً مهما حاولت دمشق إقفال هذه «الثغرة» تماماً، في حال كانت موجودة. إن الوارد، فقط، هو أن «التدفق الإرهابي» أسطورة تحتاجها الولايات المتحدة.
كاتب لبناني