مضت خمس سنوات على انطلاقة «انتفاضة الأقصى»، التي فجرها يومذاك، دخول شارون الاستفزازي إلى باحة الحرم الشريف.الشعب الفلسطيني كان منسوب احتقانه، المتجدد، من الاحتلال قد فاض، وجاءته الزيارة العدوانية كصاعق تفجير. لكن استبداد الانفعال بردة فعله وتحكم الحسابات قصيرة المدى فيها، فضلاً عن تعدد وتباين هذه الحسابات، كل ذلك أوقعها في الانجرار إلى حيث أرادت إسرائيل: إلى ساحة المواجهة التي حددتها هذه الأخيرة وبالسلاح الذي اختارته.
في الانتفاضة الأولى، أدركت إسرائيل أنها تكبدت خسائر سياسية وإعلامية ودبلوماسية من جراء القدرة الفلسطينية على الاستمرار في مطاردة احتلالها بهذا الأسلوب. فضلاً عن أن ذلك كان قد وضعها تحت ضغوط، محلية ودولية، اضطرتها إلى وضع خيار التفاوض على الطاولة والقبول به.
في انتفاضة الأقصى، سارعت إلى قطع الطريق على مثل هذه الاستمرارية خوفاً من تكرار خسائرها، فعمدت إلى استدراج الوضع الفلسطيني المنتفض، ومن البداية، إلى حرب الخنادق بدلاً من حرب العصيان في الشوارع. وكان ذلك بالتصدي الدموي العنيف للأفواج الأولى للانتفاضة.
وكان ما حصل أنه تحت وطأة الغليان الذي حكم الموقف انجرف الجانب الفلسطيني إلى الرد بالمثل ـ بدرجة أو بأخرى ـ في تعامله مع شراسة العدوان. طبعاً، كان يمارس حقه المشروع في الدفاع عن النفس. لكن ربما فاته، تحت وهج اللحظة ودرجة سخونتها، أن هذا بالضبط، ما أرادته إسرائيل، لأن الكفة راجحة سلفاً فيه لمصلحتها وحصل ما حصل، فعاد الاحتلال المباشر، بكل ثقله العسكري وقيوده وبطشه، فضلاً عن ما أنزل به من خراب وتخريب للبشر والحجر والشجر في الضفة والقطاع.
ولم يكن ذلك مفاجئاً. فلدى إسرائيل فائض كبير من العدوانية والكراهية للشعب الفلسطيني، كما أن لديها في ترسانتها العسكرية ما يكفي، أضعافاً، لإحلال الدمار في مناطقه. مع ذلك لم تكن مواجهاته اللامتكافئة من دون ثمن. ثم أن كلفتها المتزايدة كانت من ضمن الاعتبارات المؤثرة التي حملته على الرحيل من غزة.
وإذا كانت من أهمية لذلك، فهي لا تقتصر على كون القطاع قد تحرر من نير الاحتلال وكوابيسه، بل أيضاً هي تشمل ـ ولابد أن تشمل ـ اغتنام فرصة هذا التحول، الذي جرى على الأرض، من أجل القيام بمراجعة وعملية مسح للسنوات الخمس الماضية وما تخللها من محطات ومستجدات وجولات، في محاولة للقيام بعملية تصحيح لإدارة الصراع ضد الاحتلال، بحيث تكون الأدوات أكثر ملاءمة للظروف والمعطيات.
وقبل كل شيء لتكون محاصيلها أوفر وخسائرها أقل. لا سيما وأن هذا الصراع انتقل الآن ـ بالرغم من مواصلة قصف غزة ومحاصرتها ـ إلى الساحة الفاصلة في الضفة. وإذا كان من البديهي القول إن الفلسطينيين هم الأجدر باختيار هذه الأدوات، على أساس أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، إلا أن التنويه بسلاح الانتفاضة والعودة إليه يفرض نفسه، في ضوء المردودات التي أثبتتها التجربة.