الجولة التي بدأتها السيدة كارين هيوز مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الدبلوماسية العامة، لايبدو من مؤشراتها الأولية انها تحمل جديدا لتحسين وجه أميركا في العالمين العربي والاسلامي. في الوقت الذي تتركز فيه الاضواء على ما اذا كانت تحمل حقيبتها من جديد على صعيد تعاملها مع ملفات المنطقة الساخنة، التي يتوقف حل الكثير منها على ماتقرره واشنطن، الأمر الذي يؤكد صعوبة مهمة هيوز، ويجعلنا نتوقع رؤيتها في المنطقة مرات عديدة في المستقبل إذا كانت إدارة بوش جادة في هذا المسعى.

ولعل المسألة الجوهرية التي غابت عن إدارة البيت الأبيض وهي تحاول جاهدة رسم سياسة جديدة لإعادة بناء جسور الثقة بينها والعالم العربي، هي عدم إدراك ما نحتاجه في هذه المنطقة، وما نتوقعه من أمريكا، ذلك أننا لانحتاج حملة علاقات عامة من واشنطن أو عمليات تجميل لصورتها، بقدر ما نحتاج إلى تغيير سياستها التي تضررنا منها أكثر من أي وقت مضى، ودفعنا الثمن بسببها أكثر مما دفعه غيرنا.

غياب هذه المسألة بالذات يدين هيوز في أول اختبار لها وهي تقوم بأول جولة في المنطقة، ويحكم على مهمتها بالفشل قبل أن تستكملها، ويجعلنا اكثر حذرا تجاه سياسة واشنطن في المستقبل أكثر من الاطمئنان لها. فهيوز، وفي أول ندوة مفتوحة نظمتها في السعودية أمس دافعت عن سياسة بلادها في العراق، وبررت سياساتها في الشرق الأوسط بصفة عامة بأنها جاءت نتيجة لصدمة أحداث 11 سبتمبر، وهونت من شأن فضيحة سجن أبوغريب وغوانتنامو مستكثرة على السجناء السماح لهم برفع الأذان والصلاة وقراءة القرآن.

هيوز كذلك استبقت زيارتها للسعودية بانتقاد حاد للرياض في مجال حقوق الإنسان ودعتها لاحترام حقوق غير المسلمين، رغم "شهادة حسن السيرة" التي حرص بوش على تزويدها بها قبل مغادرة واشنطن بشأن دور السعودية في مكافحة الإرهاب، ورغم ذلك حرصت على تذكير المملكة بأن 15 من منفذي الهجمات على نيويورك جاءوا منها، مما يؤكد أن بوصلة الإرهاب التي تحرك السياسة الأميركية في الكثير من مناحيها ما تزال مثبتة باتجاه المنطقة.

تصريحات هيوز هذه لم تأت بجديد، ولم نر فيها إلا تأكيدا على السياسة الأميركية، القائمة التي شوهت صورتها في الخارج، حين لطختها بدماء العراق، والتحيز ضد الفلسطينيين، والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة، وزرع الفتنة والشكوك بينها محاباة لإسرائيل، ونكاية بآمال وطموحات هذه المنطقة في الحرية والاستقلال، حتى أصبح العالم العربي يرى في الرئيس الأميركي جورج بوش خطرا داهما أكثر من بن لادن.

كان أحرى بالسيدة هيوز أن تتحدث بروح اكثر جرأة ومسؤولية عن أخطاء بلادها، وتكشف عن مبادرات جديدة باتجاه ترميم الفجوة العميقة بين العالمين العربي والاسلامي مع أميركا، حتى تكون جولتها هذه فرصة حقيقية للحوار الجاد والبناء من أجل مستقبل أفضل للجانبين، مستقبل يعتمد لغة الحوار والتفاهم، أكثر من لغة المدفع والدبابة، خاصة أن شعوب المنطقة مستعدة لفتح صفحة جديدة مع واشنطن تقوم على التفاهم واحترام الخصوصيات، وعدم فرض الأوامر سواء مايتعلق منها بالديمقراطية أو الإصلاحات. العالم العربي تعب من أعاصير أمريكا، وهو يتمنى ان يكون "إعصار هيوز" آخرها.