من سيروي التاريخ العربي المعاصر، سيحتار كيف يصف الأحداث، والهزائم، ومن المتسبب بهذه النكسات والحروب، وفيما إذا كان العربي الذي اخترق الزمن بسرعة، انتصاره وتوسيع دائرة حضارته، أصبح بلا هوية، ولا مقام دولي، أو إقليمي؟..

دعونا من المبالغين بعدائهم لنا، وتوصيفنا بالأمة الميتة التي لا تعيش ساعاتها إلا على «اغتيل، وقتل، وفجر، وفخخ» وأن مخزون الدم المفقود لا يوجد مثيله في أي بقعة بالعالم، إلا ما تدمره الكوارث وحروب العبث في أفريقيا، حتى تم وضعنا في قائمة عالم ما قبل التاريخ!..

من دعوا للديمقراطية، سقطوا، ومن ادعوا عدالة الاشتراكية تبعثروا باعتبارهم أصحاب فكر طوباوي، ومن عادوا للإرهاب باسم الدين، وضعوا العالم الإسلامي في سجن دولي ومحاكمات مفتوحة لمن ينتمي للدين، أو يحمل صفات الإنسان الشرقي، وأخيراً كل من طبخوا على مواقدهم وجبات الإصلاح من المستبد العادل، إلى الدكتاتور المطلق الصلاحيات حتى بإزالة مدن وقرى وتهجير شعب، أدركوا أن تلك الأغذية مضرة بصحة العقل والجسد معاً.

هل يمكننا فحص ذواتنا بتحاليل عقلانية، والاعتراف بالقصور لعدم نجاحنا بتوفير مبدأ «الأمن من أجل الحياة» وكيف انتصر عامل الشر ليكون وسيلة دمار شامل لبعدنا الأخلاقي والإنساني، وهل في قاموس أي شعب، حتى من تصل أميتهم إلى النسب العليا من المائة، أن يفقدوا شعور التعاطف الإنساني ليفقد العراقيون، والجزائريون، واللبنانيون وغيرهم صفة إنسان عادي بلا نقص، أو عداء لمن يساكنه الأرض، ويتناول معه الرغيف، ويختلف أو يلتقي معه لكن بلا حكم مسبق بموت أحد الطرفين.. من أجل خلاف عقائدي أو مذهبي؟

من سيروى التاريخ لن يعتمد على ذاكرته، لأن العصر يدوّن الحدث بالصوت والصورة ولا مجال للتزوير، أو كتابة الأسفار من أجل طور حل بديلاً عن آخر، مثلما حدث في عصور عربية سابقة كل منها لعن ما قبله، وخاصة في الدولتين الأموية، ثم العباسية، لأن التكنولوجيا صارت الذاكرة التي لا تنسى أو تشيخ، والأمة العربية في السجل العالمي لا تستطيع أن تفقد أي لحظة من يومياتها الدامية، أو شبه الساكنة إذا كان من يكتب، ويدون الحقيقة كل العالم الأصدقاء والأعداء، وأن الحياد في الرواية سيبقى مثل المعادلة الرياضية التي لا تزوّر، أو تناقض حقيقتها.

نعلم أننا أمة مأزومة لأننا لم نكتب التاريخ أو نعيد كتابته وفق الحقيقة المرة حتى لو طال عقوداً، أو قروناً، أوأشخاصاً وأحداثاً، لأن الخوف من كشف تلك الوقائع جعلنا مأسورين لها، وجلبها مرة أخرى بأدوات عصرية كحلول السيارة المفخخة بديلاً عن الاغتيال بالسم أو القتل بالسيف، واستبدال قصيدة الهجاء بمواقع الإنترنت الفاضحة..