هناك حملة لا يمكن وصفها بأقل من قمعية، تتم الآن ضد أبناء الشعب الفلسطيني سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزة. ففي الضفة الغربية، تصول القوات الاسرائيلية وتجول لتشن اكبر عملية اعتقال بحق كل من تشتبه بانتمائه الى الفصائل الفلسطينية المعارضة، وخصوصاً حركتي «حماس» و«الجهاد الاسلامي»، وتغتال من تتوسم فيه الخطورة على ما يوصف بالأمن الاسرائيلي. أما في قطاع غزة فان هلع الاطفال والكبار، في آن معاً، نتيجة الغارات الجوية الاسرائيلية الحقيقية والوهمية، وما تلحقه من الخسائر البشرية والمادية من خلال استهداف الناشطين والمتواجدين الابرياء على مقربة منهم من جهة، وتدمير الورش والمنشآت الصناعية البسيطة التي يعتاش منها اصحابها، من الجهة الاخرى.

واللافت للنظر هو ان هذه الحملة الظالمة على الفلسطينيين ليس لها من مبرر سوى الرغبة في استعراض القوة العسكرية الاسرائيلية التي لم يعد أمامها من هدف معادٍ سوى المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وهكذا يتم استخدام التفوق العسكري الاسرائيلي، نوعياً وتكنولوجيا واحترافياً، ليس في مواجهة جيوش مكافئة او مقاربة في القوة والاعداد للقوات الاسرائيلية، وانما يستخدم هذا التفوق لترويع المواطنين الفلسطينيين العزل، وحرمان اطفالهم من النوم المطمئن الذي ينعم به اقرانهم في كل اقطار الدنيا.

خرج الجنود والمستوطنون الاسرائيليون من قطاع غزة، وقادتهم يتوعدون ويهددون مواطنيها بالويل والثبور وعظائم الامور، اذا استمر ما يوصف بالعنف الفلسطيني، واعلن الزعماء السياسيون والقادة العسكريون في اسرائيل، ان الرد سيكون قاسياً، او حتى قاصماً، على مثل هذا العنف. والمفارقة ان السلطات الاسرائيلية هي التي بادرت الى استفزاز الفصائل الفلسطينية، بهدف دفعها للقيام بردود افعال عنيفة: حدث ذلك في علار ثم في خان يونس، وكأن الهدف هو اعادة اجواء العنف والعنف المضاد، الامر الذي سيبرر عالمياً التوجه الاسرائيلي المسبق لتجميد عملية السلام، واعتبار الانسحاب الاسرائيلي من القطاع اول وآخر انسحاب قد تقوم به الحكومة الاسرائيلية.

وفي كل الاحوال فان هذه الحملة الجائرة التي تشن على مرأى ومسمع من العالم كله، وفي ظل صمت الدول التي تصف نفسها بأنها راعية العملية السلمية والمهتمة بالحل العادل والشامل والدائم في المنطقة، يجب ان تتوقف على الفور، وان تتحرك مختلف الاطراف والقوى الدولية، وخصوصا اللجنة الرباعية للضغط على الحكومة الاسرائيلية من اجل وضع حد لحملة الترويع والتخويف هذه، التي تهدد اول ما تهدد كل فرص التسوية السلمية.

والقرار الذي اتخذته حركة «حماس» وغيرها من الفصائل الفلسطينية بوقف نشاطاتها ضد اسرائيل انطلاقا من قطاع غزة، يلقي بالكرة في الملعب الاسرائيلي، ولم يعد هناك اي مجال او ذريعة يمكن للحكومة الاسرائيلية الاختباء وراءها، لتبرير استمرار هذا العدوان على ابناء الشعب الفلسطيني، او لتفسير تهرب الحكومة الاسرائيلية من تنفيذ التزاماتها بموجب خطة خريطة الطريق، سواء تلك المتعلقة بمعابر قطاع غزة، ام فيما يخص تفكيك المستوطنات والمواقع الاستيطانية في الضفة الغربية.