بدخوله عملية تفاوضية مصيرية وحاسمة مع قيادة «نظام الإنقاذ» لم يتجاهل جون قرنق حلفاءه الشماليين في «التجمع» المعارض فحسب، بل حتى لم يعن بإبلاغهم مقدماً بالأمر. وعوضاً عن اتخاذ موقف تأديبي نحو زعيم الحركة الجنوبية اكتفى رئيس التجمع محمد عثمان الميرغني باحتجاج خجول ثم بعد ذلك سعى لاختلاق تبريرات لمسلك قرنق. وبلغ العجز والنفاق برئيس التجمع أنه صرح ذات مرة بأن «الحركة الشعبية» الجنوبية تمثل التجمع في العملية التفاوضية.
من بين بنود «ميثاق أسمرة للقضايا المصيرية» الذي توافق عليه قادة التجمع كدستور للمعارضة ملزم لجميع الأحزاب والمنظمات المنضوية تحت لواء هذا التنظيم المظلي بند ينص صراحة على الامتناع عن الدخول في تفاوض مع «نظام الجبهة» من وراء ظهر التجمع. وعندما ظهر أن الحركة الجنوبية قررت الدخول في تفاوض منفردة مع الحكومة السودانية بموجب مبادرة من الإدارة الأميركية أثار بعض أعضاء قيادة التجمع،
وعلى الأخص، فاروق أبوعيسى عاصفة نقدية ضد «الحركة». وعندما تقرر عقد اجتماع رسمي لقادة التجمع في أسمرة ظن بعض الناس أن جون قرنق سيخضع لمحاسبة عسيرة. ولكن مع نهاية الاجتماع كان أبوعيسى نفسه قد «اقتنع» بوعد من قرنق بأنه «لن يقبل» أي اتفاق مع الحكومة يضر بأعضاء التجمع.
لكننا نعلم ما حصل، وما هو حاصل، فالعملية التفاوضية تحت الرعاية الأميركية التي بدأت في مشاكوس واختتمت في نيفاشا باتفاق سلام ثبت أنها مجرد صفقة تجارية ثنائية بين حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم وتنظيم «الحركة الشعبية» الجنوبية يتقاسمان بموجبها غنائم الحكم المركزي بنسب مئوية محددة.
بكلمات أخرى، تحقق ما كان متوقعاً وواضحاً من خلال ترتيب وضعته الإدارة الأميركية يقضي بإقصاء أحزاب المعارضة الشمالية نهائياً عن الصفقة. ونتساءل: هل اطلع كل من المهدي والميرغني على التقرير الوثائقي الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن عام 2000.. ذلك التقرير الذي يعتبر الأساس الذي أقيمت عليه مبادرة إدارة بوش؟
لقد كانت الكتابة على الجدار واضحة كالشمس. فالتقرير يقترح عقد صفقة ثنائية للسلام ينحصر طرفاه في الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» فقط، لذا فإن الوثيقة من أولها لآخرها لا تأتي إطلاقاً على ذكر أحزاب المعارضة الشمالية. ولنفترض أن السيدين لم يعنيا بالاطلاع على هذا التقرير الخطير.. فهل تابعا الأمر على الصعيد التطبيقي بعد أن تبنّت الإدارة الأميركية التقرير رسمياً؟
كباكورة للتطبيق، عيّن الرئيس بوش مبعوثاً رئاسياً خاصاً للسودان هو القس جون دانفورث. وطوال تنقله بين الخرطوم ونيروبي (مقر الحركة الجنوبية) كان الوسيط الأميركي يتجاهل الزعيمين المهدي والميرغني. وهكذا جاء تقرير دانفورث النهائي إلى رئيسه يتبنى الصيغة الثنائية المقترحة في تقرير مركز الدراسات.قضي الأمر ولمّا يزل الزعيمان الشماليان الكبيران يراهنان على الوهم الناشئ عن شعور العجز والإحباط ويمارسان لعباً في الوقت الضائع بعد أن دخل «اتفاق نيفاشا» مرحلة التطبيق.