بالأمس مرت الذكرى الخامسة والثلاثون لرحيل الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهى مناسبة تستهوي كثيرين من هواة الطقوس السياسية الموسمية، إما لإشباع نهم البكاء على الأطلال، واسترجاع أمجاد الأيام الخوالي، وإما لجلد الذات. وفى الحالتين يضيع المغزى الحقيقي للحدث، كمحفز على الفعل الواعي، وكدافع عقلاني لفهم أسباب الضعف والتراجع الحضاري.

وبالتالي امتلاك آليات العمل لاستعادة الزمام ودفة السفينة العربية والحيلولة دون جنوحها، أو غرقها في بحار التدخلات الخارجية ومشاريع التقسيم وإعادة صياغة الجغرافيا وطمس التاريخ.من الأسئلة التي فقدت معناها من طول التكرار، سؤال: ماذا بقي من عبد الناصر ومشروعه القومي؟.

وهناك أسئلة أخرى مراوغة تهدف إلى خلط الأوراق ، وتضليل القارئ، بدلاً من تنويره، مثل: هل تعتبر حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 ثورة أم هي مجرد انقلاب عسكري؟ وهل انهيار المشروع القومي الناصري، جاء نتيجة حتمية

ل«لثمرة معطوبة» أم بفعل التآمر والتدخل الخارجي، أو تحت تأثير غياب الديمقراطية وسطوة «كاريزما» وزعامة عبد الناصر، الذي يدمن خصومه وصفه بالطاغية المستبد،

ويستكثرون عليه، وصف «المستبد العادل»، وهم الذين احنوا له الجباه ودبجوا المقالات وقصائد المديح التي رفعته إلى مقام لم يسبقه إليه أحد من القادة والأبطال، قبل ان تدور عجلة الزمان وتأتي لحظة الهجاء ويتقولوا عليه مالم يقله الفقيه الإمام مالك في الخمر!.

في هذا الإطار يمكن الإشارة إلى ظاهرة سقوط كثير من المثقفين في مستنقع الانتهازية ومسايرة الأجواء، جريا خلف مصالح خاصة، وانقلابهم على الحقيقة، منهم الأديب الكبير توفيق الحكيم، بكتابه «عودة الوعي» الذي دفع الاعلامي الراحل عبد الرحمن علي الى النزول الى الشارع بملابس النوم وقطع المسافة إلى مسكن الحكيم مشياً على قدميه في فجر أحد الأيام عام 1975 ،

للتأكد من ان الكتاب فعلاً من تأليف الحكيم وليس مدسوسا عليه، لأن شهادته المسجلة معه تليفزيونيا تفند كل ماورد في «عودة الوعي».على أن ما يعنينا هنا: الافتراء على عبد الناصر من جانب مريديه أو الذين نظنهم كذلك، ممن يرفعون رايات مشروعه القومي، وتمتلئ بهم الساحات عند كل مغنم ولا تجد لهم اثراً عند الشدائد، تكتظ بهم المنتديات الاحتفالية، يغيبون عن مواقع العمل وسط أبناء عبد الناصر الحقيقيين( العمال والموظفين والطلبة والفلاحين وكل أصحاب الدخول المحدودة).

هؤلاء هم الأكثر افتراء على عبد الناصر وثورته العربية ومشروعه الحضاري، لأنهم لم يكتفوا بالإساءة إلى تراثه السياسي، عندما عجزوا عن تقديمه بشكل صحيح يتناسب مع وزنه الجماهيري، بل اكتفوا بالاختباء خلف لافتات الانتماء إليه، لستر عيوبهم والتغطية على عجزهم وربما فساد بعضهم، ونقلوا فيروس الإحباط واليأس إلى أجيال الشباب، وبالتالي أغلقوا أبواب التغيير والأمل في وجوههم.

الدافع وراء التركيز على إساءة الناصريين إلى عبد الناصر الرمز، هو مستوى تدني الواقع السياسي، وانحسار الفعل إلى مجرد هامش إعلامي يتعيش على اجترار الماضي، أو إعادة إنتاجه، من دون إعمال المنهج والخروج بصيغ حديثة على مستوى التحدي الداخلي والخارجي، حتى ولو لزم الأمر التخلي عن وصف الناصرية، كمسمى سياسي، لأنه أصبح بلغة أهل المنطق تعريفا لا يجمع ولا يمنع، أي لا يجمع كل من ينطبق عليهم الوصف ولا يمنع دخول من عداهم تحت لافتته.

فالحاصل ان مواقف من يشار إليهم بالناصريين بلغت درجة من التناقض تجعلهم شيعاً شتى وليسوا أبناء تيار واحد، والتناقض هنا ليس من باب التعدد الصحي، بل من زاوية التنافر الصادر عن منطلقات ومفاهيم متناقضة. المطلوب الآن، أن يعيد القوميون العرب حرث أرضهم، قبل أن يفرض عليها البوار الابدي، وان يراجع الناصريون أوراقهم حتى يستحقوا شرف الانتساب إلى عبد الناصر ومشروعه الحضاري.