نشرت جريدة «البيان» ( 3/9 ) صورة نقلاً عن وكالة رويترز وعلقت عليها بما يلي:«الصورة لكتلة ثلجية ضخمة عاشت مئات الأعوام في غرين لاند، لكنها تحطمت وبدأت تذوب حديثاً بفعل ارتفاع حرارة الكرة الأرضية». والواقع أننا لا نحتاج إلى هذه الصورة كي نقتنع اقتناعاً شخصياً بأن معدلات الحرارة قد ازدادت عن ذي قبل.

فذكريات من انتصفت أعمارهم أو أكثر تحمل هذا الإحساس. كنا في الكويت إذا ما دلق سهيل ( أي ظهر نجم سهيل) في الرابع والعشرين من أغسطس نشعر بانكسار في درجات الحرارة، وكان المثل الشعبي يجسد هذا التحول فيقول:«إذا دلق سهيل لا تأمن السيل») أي إذا ظهر نجم سهيل فلا تأمنن مباغتة السيول).

وكنا ننام على أسطح بيوتنا في الصيف، فنغرق بالنوم في النسيم العليل، وكان البرد الشديد يبدأ من أول شهر نوفمبر لينتهي في أوائل أبريل. وتبعاً لذلك، كان رجال الشرطة ينزعون ملابس الصيف في غرة نوفمبر ليلبسوها ثانية في منتصف أبريل. أما حال اليوم فمعروف للجميع وحسبنا القول أن درجة الحرارة لا تقل عن الأربعين في منتصف ليالي الصيف!!

وقد ارتفعت درجة حرارة العالم بمقدار درجة فهرنهايت واحدة (ستة أعشار الدرجة المئوية ) عما كانت عليه قبل قرن مضى، لكنها حتماً ستتسارع بالزيادة في السنوات المقبلة. ويذهب القلة من العلماء إلى تفسير هذا الاحترار بدورات المناخ استناداً إلى وقائع تاريخية. فهم يقولون إن أوروبا قبل ألف سنة كانت تتمتع بمناخ معتدل لدرجة أن الكروم كانت تزرع في انجلترا،

وقد تبدل ذلك قبل 400 عام فقط وضربتها موجة برد أدت إلى تجمد نهر التايمز. وتوصل علماء بريطانيون نشروا نتائج بحثهم في مجلة ( سينس ) ونقل موقع الـ «بي بي سي» ملخصاً له (27/4/2001 ) أن الألف سنة الأخيرة تميزت بحقبتين: العصور الوسطى الدافئة التي امتدت تقريباً من 900 إلى 1200، والفترة الباردة التي امتدت من عام 1500 إلى عام 1900 للميلاد. بيد أن غالبية علماء البيئة يعتقدون الآن جازمين أن نشاطات الإنسان هي المسؤولة عن ارتفاع حرارة الأرض.

فاستخدام الغاز الطبيعي والنفط والفحم وإحراق الغابات على نطاق واسع كما يجري في منطقة الأمازون وإندونيسيا وغيرهما يؤدي إلى زيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب الرئيسي في الاحتباس الحراري، والمقدر في الوقت الحاضر بسبعة مليارات طن سنوياً. ولَكُم أن تتخيلوا كم ستكون عليه درجة حرارة العالم في أواخر هذا القرن حينما يصل مقدار انبعاث ذلك الغاز إلى حوالي أربعين مليار طن سنوياً، لو ظلت الأمور تسير على ما هي عليه!!

إن ارتفاع درجة حرارة كوكبنا له آثار بيئية وسياسية واقتصادية وخيمة بتنا نتلمس آثارها وتمثل أول الغيث. فقد لا حظ تقرير الأمم المتحدة لمؤتمر ز تحديات التنمية ز الذي عقد في جنوب أفريقيا في العام 2002 أن سماكة ثلوج القطبين قد نقصت بأربعين بالمئة خلال الأربعين سنة الماضية، وتبعاً لذلك تصاعدت مستويات البحار والمحيطات سنتمتراً واحداً في كل عقد.

وهذا الارتفاع سيؤدي إلى إغراق المناطق الساحلية المنخفضة كهولندا وبعض الجزر كجزر المالديف ( كما يقول تقرير البي بي سي 10/9/2005 ). ولعل ما حصل مؤخراً لنيو أورليانز خير دليل على ذلك. وبسبب ارتفاع الحرارة أخذت القمم المغطاة بالثلوج والبحيرات المتجمدة بالذوبان أبكر مما مضى، وهذا سيؤدي على نقص حاد في كميات مياه الشرب في منطقة الأنديز بأميركا اللاتينية وفي غرب الصين.

ويُلاحظ أن موجات القحط والجفاف قد ازدادت وأصبحت أكثر قسوة، أما الأعاصير فقد رأيناها تأخذ شكلاً عنيفاً في الآونة الأخيرة ككاترينا وشقيقتها ريتا وتلك الأعاصير التي تضرب سواحل الهند والصين بين فينة وأخرى. وطبقاً لمجلة سينس في عدد هذا الشهر، فإن الأعاصير في شمال المحيط الأطلسي بما فيها البحر الكاريبي وخليج المكسيك، بقوة 4 و 5 درجات قد زادت بنسبة 56 بالمئة، من 16 إعصاراً بين أعوام 1975 و 1989 إلى 25 إعصاراً بين 1990 و 2004.

وهذه الأعاصير ليست بدون تكاليف بشرية ومادية، فحسب تقرير الأمم المتحدة المذكور أعلاه، فقد دفعت شركات التأمين تعويضات ناجمة عن ما أحدثته الأعاصير من تلف وأضرار في عقد الثمانينات ما مقداره ملياري دولار، زادت تلك المبالغ لتصل إلى ثلاثين مليار دولار في عقد التسعينات.

لم يقف المجتمع الدولي أمام هذه الظاهرة عاجزاً، فهناك جهود عالمية جماعية تصطدم بمصالح قومية ضيقة وهي بلا شك مصالح آنية. فقد تداعت دول العالم لعقد مؤتمر حول البيئة في كيوتو في اليابان في العام 1997 وقرر خفضاً جماعياً لانبعاث الغازات الضارة بمعدل يزيد قليلاً عن الخمسة بالمئة في العام 2012 بمعدل العام 1990. وقد وقعت تلك الاتفاقية 156 دولة فيما عدا الولايات المتحدة الأميركية، المسؤولة عما نسبته 24 بالمئة من إجمالي الغازات الضارة المنبعثة في الجو!!

وفي مؤتمر نظمه الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون في مدينة نيويورك هذا الشهر، قال رئيس وزراء بريطانيا توني بلير ـ وكان من أشد مناصري كيوتو ـ أن «السياسة قد أفسدت اتفاقية كيوتو» وإنه يعتقد إن الالتزام بها أصبح صعباً ويتعارض مع المصالح القومية لبعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة خاصة وأن ذلك التخفيض لم يشمل دولتين كبيرتين تتسابقان في مضمار التنمية والتقدم وهما الصين والهند( الديلي تلغراف 25/9 ).

على أن موقف الحكومة المركزية في أميركا لم يمنع 178 رئيس بلدية فيها من التوقيع على تلك الاتفاقية هذا العام ( ولعل هذا من حسنات النظام الفيدرالي ) إضافة إلى 60 رئيس مدينة مثل شنغهاي وموسكو وريو. وقد وافق هؤلاء على اتخاذ 21 إجراءً فعلياً تتعلق بنفايات الطاقة والتصميمات الحضرية والصحة والمياه والنقل( البي بي سي 10/9 ). بقى أن نقول ما أحوجنا في منطقتنا الخليجية إلى الترفق ببيئتنا، ونحن في غمرات طفرتنا العمرانية، التي اتجهت أيضاً نحو شواطئنا.

alyusefi@hotmail.com

كاتب كويتي