أخيراً، وبعد حوالي سنتين من انكشاف أمر فضيحة سجن أبو غريب، أصدرت محكمة عسكرية أميركية حكمها على المجندة الشهيرة ـ «نجم» عمليات تعذيب وإذلال المساجين العراقيين ـ، والذي يقضي بإنزال عقوبة السجن بها، لمدة ثلاث سنوات وبتسريحها من الخدمة العسكرية!
وكان قد سبق ذلك صدور أحكام بحق مجموعة من الجنود الآخرين ـ ثمانية ـ الذين شاركوا بتلك العمليات تراوحت بين عشر سنوات سجناً ـ لقائد المجموعة الذي اعترف بأنه كان يضرب الموقوفين حتى الموت! ـ وبين التسريح من الجيش، من غير عقوبة. وبذلك يكون قد انطوى الفصل الأخير لتلك الفضيحة التي مازالت المعلومات والروايات تتكشف حول فظائعها وضروبها المشينة. وكانت آخر حلقاتها قبل أيام، على لسان ثلاثة من العسكريين.
وهكذا تقلصت القصة لتنحصر بتسعة عسكريين، من ذوي الرتب الصغيرة وتحميلهم مسؤولية ما شهده أبوغريب من «حفلات» تلذذ بالتعذيب وممارسته بسادية همجية ومخجلة. وكان يمكن تمرير القصة بهذا الشكل لو أن مثل هذا الانتهاك جرى في حادثة عابرة بعيداً عن عيون الرقيب والرئيس. لكن أن يحصل ذلك على حلقات.
وفي مسلسل امتد عدة أشهر؛ عندئذ لا يعقل أن يكون صدفة ولا شطط في السلوك مارسه نفر من الجنود المهووسين. وفي الواقع هذا أكدته شهادات العسكريين الذين جرى استجوابهم وحتى الضالعين منهم بالجريمة. لقد كرر العديد من هؤلاء، سواء أمام المحكمة أم في إفادات وتسريبات خاصة لوسائل الإعلام ولمنظمات حقوق الإنسان، أن رؤساءهم العسكريين وضعوا لهم ـ عن عمد ـ «ارشادات وتعليمات غامضة» تركت الانطباع بأن إساءة معاملة المساجين العراقيين مفتوح بابها.
بل هي «نفخت» في نارها. ويضيف آخر إن «المحققين من رجال المخابرات العسكرية قاموا بتشجيع الشرطة العسكرية على الإساءة للمساجين»؛ بزعم حملهم على الإفصاح عن المعلومات المطلوبة. كما أفاد بأنه مارس الضرب حتى الموت، على مرأى من عناصر الاستخبارات»!
وفي إفادة أحد الضباط أمام أعضاء من الكونغرس، جاء أن المحققين العسكريين معه كان كل همهم حمله على كشف أسماء الجنود الذين سربوا أخبار التعذيب إلى منظمات حقوق الإنسان. وربما كان تعليقه الأخير يلخص الفضيحة على حقيقتها عندما قال إن: «هناك مشكلة خطيرة في المناخ السائد على مستوى القيادة. أي أن هناك ثقافة مشوهة؛ وهناك سياسة معتمدة لترجمة هذه الثقافة؛ على الرغم من معرفة واضعي هذه السياسة باتفاقية جنيف التي تحظر مثل هذه المعاملة اللا إنسانية.
في ضوء هذه الحقائق التي كشفتها الصحف والإفادات الأميركية يبقى الحكم الذي صدر بحق انغلاند ورفاقها ليس هزيلاً فقط بل هو في غير محله أيضاً. المذنب الحقيقي هو السياسة المعتمدة التي سمحت لهم بهذا الانتهاك. والسياسة يضعها الكبار وليس الصغار. فهؤلاء ليسوا أكثر من كبش فداء.