في عام 1998 فاجأت الحكومة السودانية «الحركة الشعبية» الجنوبية في سياق مفاوضات نيروبي الأولى بقبول مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان كاستجابة لطلب الحركة الإلحاحي.

حينئذٍ كان المفترض ان يعقب ذلك مباشرة ابرام اتفاق سلام نهائي بين الطرفين. فقد كان اصرار الحركة على تقرير المصير ورفض الحكومة له العقبة الوحيدة المتبقية على طريق الاتفاق كما بدا الأمر.

لكن اتضح ان الحركة كانت تحتفظ بمفاجأة مضادة.. فقد وضعت على الطاولة التفاوضية خريطة جديدة للسودان تتوسع بموجبها الرقعة الأرضية للجنوب في اتجاه الشمال.

هذه المفاجأة لم تذهل الحكومة وحدها بل أذهلت أيضاً حلفاء الحركة الجنوبية في «التجمع» المعارض.. وتحديداً المهدي والميرغني، فقد كان مضمون الخريطة مناقضا لميثاق التجمع إذ ينص الميثاق على تعريف جنوب السودان وفقاً لوضعه في أول يناير 1956 عندما أعلن استقلال البلاد.

لكن لا المهدي ولا الميرغني اتخذا موقفاً حاسماً تجاه قرنق في هذه المسألة.

أجل.. أبديا شيئاً من الاحتجاج المتردد لكنهما عند نهاية المطاف «اقتنعا» بمنطق الزعيم الجنوبي.

وخلاصة هذا المنطق ان إبراز الخريطة كان القصد منه مجرد تكتيك تفاوضي «تعجيزي» لحمل الوفد الحكومي على قبول مبدأ فصل الدين عن الدولة. كانت تلك كذبة فاضحة وساذجة ومع ذلك قبلها الزعيمان الشماليان انطلاقاً من مراهنتهما الوهمية بأن «الحركة» ستحقق لهما حلم استرداد السلطة من «نظام الانقاذ».

كانت مفاوضات نيروبي الأولى برعاية منظمة «إيغاد» الإفريقية، وبوصولها إلى طريق مسدود صار المجال متاحاً لمبادرات جديدة، هنا جاءت المبادرة الليبية المصرية المشتركة.

باديء الأمر تظاهر جون قرنق بقبولها رغم انه كان يضمر نسفها كما ثبت لاحقاً.لقد كان قرنق من حيث المبدأ ضد أي دخول عربي على خط المشكلة السودانية انطلاقاً من معارضته للهوية العربية الإسلامية للسودان.

وبينما قبلت الحكومة السودانية بالمبادرة تحمس لها أيضاً المهدي والميرغني بصفة خاصة.. فقد كانت تلائمهما أكثر من مبادرة إيفاد الإفريقية. لماذا؟

أولاً لأن أحزاب المعارضة الشمالية كانت مبعدة عن مفاوضات ايغاد.. ثم انه بينما كانت مفاوضات ايغاد محصورة في مشكلة الجنوب فقط فان المبادرة الليبية المصرية كانت تدعو إلى مؤتمر قومي جامع يشمل كل القوى السياسية السودانية لمعالجة مشكلة نظام الحكم في السودان عامة.

لذا فان من الغريب ان زعيم «الاتحادي الديمقراطي» محمد عثمان الميرغني بعد ان قبل تلك المبادرة تراجع عن موقفه فعارض المبادرة كاستجابة لضغط الزعيم الجنوبي. وعندما عقد اجتماع استثنائي للتجمع في العاصمة اليوغندية كمبالا كال فيه قرنق السباب والشتائم للصادق المهدي لتمسكه بالمبادرة العربية لم يشأ الميرغني ان ينهض ليدافع عن حليفه المهدي.

هكذا ماتت المبادرة الليبية المصرية بسبب مراهنة الميرغني على وهم تحالفه مع «الحركة الشعبية» الجنوبية، وكانت «المكافأة» التي تلقاها الميرغني لاحقاً نظير تمسكه بهذا التحالف هي إقصاؤه ـ ومعه رفيقه المهدي ـ عن المبادرة التالية الحاسمة التي تبنتها الولايات المتحدة.