القاهرة لا تزال منفردة بذاتها، هي مدينة لا تشبه أية مدينة أخرى، وهي عاصمة بإمكانها أن تستوعب وطناً كاملاً وتختصره في مساحتها المحدودة، وهي قلب نابض بالحياة، لا تعرف ليلها من نهارها ولا تترك لك لحظة فراغ مهما أطلت المكوث فيها، رغم التأفف من ضجيجها، وشوارعها، وازدحام أرصفتها بالناس، واختلاط حابلها بنابلها، تبقى هي نفسها التي ما إن تغادرها حتى تهفو نفسك إليها.

ما الذي نعشق في القاهرة؟ لا ندري، لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال، وطبعا ليست الإجابة في ماء النيل الذي يحب أهل مصر أن يرددوا إن من يشربه يحن للرجوع إليه مرات ومرات، فالماء الذي نشرب ليس ماء النيل، انه ماء معبأ من ينابيع، أو مياه جوفية في الغالب، فماذا نعشق في القاهرة؟

حكاياها التي لا تنتهي؟ ربما، فمنذ الخروج من المطار، وفي كل مرة، تبدأ الروايات في التدفق على أسماعك ابتداء من السائق، وتتوالى بعدها من الأصدقاء، لتكتمل من الوجوه الجديدة التي نراها لأول مرة.

وفي كل زيارة هناك حكاية أو أكثر، ينشغل بها الشارع المصري، ومن كل لسان يأتيك قول، ومن كل قول تزيد المفاجآت، ومع الأيام تتراكم المعلومات، ولا تدري كيف جمع كل هؤلاء الناس تفاصيل التفاصيل، وبإيحاء مَنْ جمعت الخيوط وفصلت لتكون بمقاس فلان أو علاّن.

هذه الأيام تنحصر اهتمامات القاهرة في توابع انتخابات الرئاسة، وتبعات التغييرات في قمة الهرم الصحافي المصري، وما بين «أيمن نور» و«إبراهيم نافع» تتوه الشواهد، فالأول يقف في قفص الاتهام بعد أيام من حصوله على المركز الثاني في انتخابات الرئاسة.

والثاني مازال يشمخ في ردوده على الاتهامات التي تطاله، والصحافيون يسقطون من قاد حملة التشهير ضده، وكأنهم يقولون له عبر التصويت ما عجزوا عن قوله بأقلامهم، والناس يريدون أن يصدقوا ما يقال عن هذا وذاك.

ولكنهم لا يطمئنون على المقاصد والنوايا الحقيقية، ويحيلون الأمر إلى النظرية التي أحبوها، فهي المؤامرة كما يقولون، وعندما تسألهم عن اسم المتآمر، فيجيبونك بعفوية أهل القاهرة «وإحنا مالنا يا عم».

myousef_1@yahoo.com