لعل الدستور بحد ذاته لا يمثل أبرز أولويات الشعب العراقي خلال هذه الفترة العصيبة التي أرهق فيها بالقتل وتدمير البنى التحتية وانعدام الأمن والخدمات وفقدان القدرة على رؤية أفق المستقبل القريب بعد أن تلاشت روح الأمل لدى الأغلبية من أبنائه جراء تهاوي صور القادة الجدد الذين خلفوا حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين وعدم قدرتهم على إدارة أي مفصل من مفاصل الدولة العراقية (إذا صح تسميتها بالدولة الآن).

ومع أن الدستور وفق كل المفاهيم هو عقد اجتماعي ينتظم تحت عنوانه العام وإطاره العام جميع الفرقاء وتركيبات المجتمع من أجل تصويبها تجاه إطار واحد هو (الوطن) وشعور واحد هو (المواطنة) إلا أن دستور العراق المقترح أو (الجديد) ليس فيه من هذا شيء إلا بقدر بعض النصوص المعومة هنا أو هناك، لا بل لم يرد فيه ما يؤكد وحدة العراق أرضاً وسماء ومياهاً!

الدستور لم يكن في الأصل عراقياً بل تؤكد مصادر وثيقة الصلة بأركان النظم السياسية التي قدمت تحت خيمة الاحتلال ان هذا الدستور جيء به مكتوباً باللغة الانجليزية ثم ترجم إلى العربية وجرى استعراض مهارات من كانوا في لجنة صياغة الدستور على أمور أغفلها (عن عمد) الذي كتب الأصل كقضية كركوك والدين وغيرها، على هذا يمكن ان نفهم الإطار العام الذي جاءت به مسودة الدستور الأولى .

ولكن التعديلات الأخرى الخطيرة على واقع ومستقبل العراق السياسي أتت من جهتين كانتا صاحبتي أغلبية في لجنة صياغة الدستور وفي الجمعية الوطنية العراقية إحداهما غير عربية والثانية ذات اتجاه شعوبي عام سعيتا بكل قوة ودهاء إلى إيجاد نصوص تفقد العراق بالدرجة الأولى بعده العربي القومي.

وحتى بعده الإسلامي التاريخي ثم تمهد في نصوص أخرى تركز على مصطلح (الفيدرالية) إلى تهيئة الأجواء وإبقائها ممهدة لانقسام العراق أو تجزئته حتى يصبح دولة بالمجمل العام رخوة ضعيفة لا حول لها ولا قوة داخل العراق وخارجه وكذا الحال بالنسبة إلى توزيع الثروات وقضايا الدين واجتثاث البعث وغيرها.

إن مسودة الدستور العراقي وضعت لتشكل قاعدة للاختلاف والفرقة لا للوحدة وتنمية الشعور بالمواطنة وكان أولى بالذين شمروا عن سواعدهم وسابقوا الريح من أجل انجاز المسودة في تاريخها المحدد من قبل إدارة الاحتلال الأميركي في واشنطن ان يزيلوا الفوارق بين العراقيين لا ليؤكدوها .

حيث ان عبارة مثل «العراق وطن جميع العراقيين وعلى الجميع ان يؤدوا واجباتهم وللجميع حقوق متساوية أساسية «فيما لو وردت في هذه المسودة فستكون صمام أمان لجميع الملل والطوائف ولكل مكونات النسيج الاجتماعي والسياسي العراقي ولكنهم ابوا ذلك .

ولم يكبح جماحهم ولو إلى حد ما إلا ممثلو السنة الذين انضموا إلى لجنة صياغة الدستور حيث أراد الله ان يؤطر موقفهم الرافض من الاحتلال بموقف آخر لا يقل عزما برفض ما ورد في مسودة الدستور فيما يتعلق بوحدة وسيادة العراق ككل لا يتجزأ.

الركض وراء عملية إنهاء موضوع الدستور الذي لو نجح موقف السنة الرافض له ستفضي أمام وعي العراقيين لنواهيه إلى رفضه في الاستفتاء المزمع إجراؤه لرفضه أو قبوله في الخامس عشر من أكتوبر المقبل.

حيث ان موقف السنة هذا ليس حكرا عليهم عندما يتعلق الأمر بالشعب العراقي فالتيار المؤيد للزعيم الشيعي مقتدى الصدر ذاته يرفض النصوص ذاتها التي يرفضها السنة وكذا تيار الخالصي ولكلا التيارين أتباع ومؤيدون كثر بل حتى الكثير من أتباع الآخرين الذين يروجون لأفكار مصنوعة خارج الحدود سيصوتون ضد هذا الدستور لأن الأصل الوطني في العراق هو الغالب على أي أصل آخر.

العراق الذي يعيش شعبه الويلات والكوارث والذي يعيش الظلام بكل أبعاده لم يضف له حكامه الجدد أي شيء وفي الحقيقة فإنهم سلبوه كل شيء وبدلاً من مراعاة بعض أساسيات الحياة اللائقة لأي إنسان في العالم.

ومناقشة سبل توفيرها كالكهرباء والماء الصالح للشرب مثلاً، يناقش الساسة منذ سنتين ونصف شيئين مهمين: ما هو الاسم الأفضل للعراق الجديد؟ وكيف يغيرون العلم العراقي؟

أليس عراق اليوم أغرب من عراق الأمس حين قال الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي منذ أكثر من 65 عاماً واصفاً مجلس الأمة العراقي (البرلمان) حينها والدستور الذي وضعوه ببيت من الشعر يقول فيه:

علم ودستور ومجلس أمة

كل عن المعنى الصحيح محرّف

Alkhattab26@hotmail.com