تبدو الساحة السياسية الألمانية في اللحظة الراهنة متأهبة لرحيل جيرهارد شرودر من موقع المستشارية. فقد خسر حزبه الاشتراكي الديمقراطي الانتخابات التشريعية التي أجريت في الثامن عشر من شهر سبتمبر الجاري وحل ثانياً بعد تكتل المسيحيين الديمقراطيين بزعامة أنجيلا مركل بفارق يقل عن واحد بالمئة.
مع محدودية الفارق فان التقاليد السياسية الألمانية تقضي بتكليف التكتل الأكبر داخل البرلمان بتشكيل الائتلاف الحكومي الجديد وهو ما يعني أن المسيحيين الديمقراطيين سيضطلعون على الأرجح بهذه المهمة إن بقيادة مركل أو بدونها باحثين عن حلفاء لهم بين الأحزاب المختلفة.
من وجهة نظر عربية تعني نهاية شرودر اختفاء أحد أكثر السياسيين الألمان شعبية بين ظهرانينا على مدار العقود الماضية. مثل موقف المستشار الرافض للحرب على العراق السبب الرئيسي للإعجاب به.
وعلى الرغم من أن خطاب وسياسة شرودر المناهضة للرؤية الأميركية لم تضعف آنذاك من مخطط الحرب ولم تمنع حدوثه، إلا أن التزام حكومته بمعايير الشرعية الدولية غير على الأقل جزئياً صورة ألمانيا في العالم العربي من تابعة للولايات المتحدة الأميركية وممولة لحروبها إلى قوة أوروبية مستقلة تستطيع أن تختلف مع الحليف الغربي الأكبر بل وتفند ادعاءاته بجرأة.
بالقطع لم تصل شعبية شرودر بين العرب إلى ذات المستوى الذي وصلت إليه شعبية الرئيس الفرنسي شيراك صاحب الصور المرفوعة في العديد من التظاهرات العربية ضد الحرب، لكن مجرد وجودها مكن ألمانيا من الولوج إلى الساحة السياسية في عالمنا من بوابة عقلاء الغرب أصدقاء العدالة الدولية.
ثم ساهم دور المستشار ووزير خارجيته يوشكا فيشر في الوساطة بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية ومساندة الأخيرة اقتصادياً ومالياً في تثبيت معالم النظرة الودية إلى ألمانيا كصديق للعرب.
وواقع الأمر أن مثل هذه النظرة قد اتسقت في المجمل الأعم مع المرتكزات الفعلية للسياسة الألمانية تجاه عالمنا في عهد شرودر. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 سارعت حكومة المستشار بتدشين عدد كبير من مبادرات الحوار مع الدول العربية بحثاً عن فهم مشترك لحقيقة التحديات التي تطرحها ظاهرة الإرهاب.
كمن وراء ذلك قناعة راسخة بأن اختزال الظاهرة في مجرد معضلات أمنية إنما هو من قبيل التبسيط غير الموضوعي ولن يساعد في التغلب عليها وأن الأفضل هو معالجة مختلف الجوانب المرتبطة بها إن سياسية أو اقتصادية واجتماعية.
تميزت في هذا السياق مبادرة الخارجية الألمانية بتأسيس مركز للحوار مع العالم العربي الإسلامي في 2002 كانت الأولى من نوعها في أوروبا وتمكنت في العامين الماضيين من تحويل العاصمة برلين إلى محور رئيسي للقاءات عربية-أوروبية متنوعة تخطت حدود الدبلوماسية الرسمية بتركيزها على المثقفين ونشطاء المجتمعات المدنية، بل وقفزت فوق محرمات سابقة بمد سقف الحوار ليشمل حركات الإسلام السياسي المعتدلة.
شكل الانفتاح الحكومي الألماني في التعامل مع قضية عضوية تركيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي مصدراً إضافياً لثقة الرأي العام العربي في شرودر.
فهناك باستمرار الشكوك في نوايا الأوروبيين تجاه الأتراك وشعور مبدئي بأن اتحادهم إنما هو بمثابة ناد مسيحي لا يمكن لجار مسلم أن ينضم إليه، وهو الأمر الذي دأب العديد من ساسة أوروبا المحافظين على التشديد عليه في باب الحديث عن هوية أوروبا بصورة زادت من هذه المخاوف.
هنا جاء تأييد شرودر لعضوية تركيا ودفعها الاتحاد الأوروبي نحو بدء المحادثات مع حكومة أردوغان ليعيد للأذهان الوجه الإنساني للسياسة الألمانية المهمش لاختلافات الدين والهوية والمعلي للمشترك الإنساني والحضاري.
وبغض النظر عما ستسفر عنه السياسة الألمانية في الأيام المقبلة، فان الحفاظ على إرث شرودر في علاقته بالعالم العربي بمرتكزاته الثلاثة؛ الاستقلالية والانفتاح الحواري والوجه الإنساني سيكون على درجة بالغة من الأهمية لإبقاء صوت برلين المتعقل.
خبير مصري بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بواشنطن