الغارة الإسرائيلية على غزة واستهداف مقاتلي كتائب القسام تخدم أهدافاً عدة لأرييل شارون. تذكير الفلسطينيين بأن الجيش الإسرائيلي بالمرصاد وتأكيد الحصار كحقيقة واقعة على الأرض وكحالة نفسية متأصلة لدى الفلسطينيين.

استفزاز حماس وجرها إلى الرد. هذا يعني الدخول في حالة حرب من العمليات الانتقامية المتبادلة تلغي المسار السياسي بأكمله أو تقذف به إلى الوراء. الوجه الآخر لهذا هو دفع حماس والسلطة إلى الصدام والاحتراب الأهلي.

تذكير الفلسطينيين وحماس خصوصاً أن الانسحاب من غزة ليس هزيمة بل باختيار إسرائيل. إعادة شيء من الشعبية لشارون تدنت مع إصراره على تنفيذ الانسحاب، فالإسرائيليون عموماً لا يحبذون سوى ذلك النوع من الرؤساء الذي يشعرهم أن قتل العرب هو الوسيلة الوحيدة للشعور بالأمان.

أخيراً، إرضاء الجيش ببديل مناسب للتمارين العسكرية: غارة من وقت لآخر على غزة أو حتى الضفة. أي بعبارة أخرى: الحرب لا تزال مفتوحة.لكن في مقابل هذه السهولة التي يمكننا معها تحديد أهداف إسرائيل، ثمة إخفاق ذريع لدى الفلسطينيين في تحديد ما يريدون هم أنفسهم. أكثر المعنيين بهذا السؤال: حماس.

فيما مضى، كانت حماس ترد وكانت مفردة الانتقام هي الكلمة المفتاح في كل ردود الفعل التي تصدر عن الحركة وقادتها. لكن الانتقام المجرد في حرب تحرر وطني ليست الوسيلة المثلى للدفاع عن مصالح شعب بأكمله.

تجربة الانتقام وحصيلتها كانت واضحة. ففيما كانت حماس تقوم بعملياتها، كان الرد الإسرائيلي يستهدف السلطة: ضرب البنية التحتية، تدمير مقرات الشرطة الفلسطينية تدريجيا حتى تبين الهدف الأصلي لكل هذا مع اجتياح العام 2002.

يتعين البدء من هنا، من اجتياح الضفة الغربية في ابريل 2002. انه نسخة مكررة من اجتياح لبنان عام 1982. ولسوف يصاب المرء بالدهشة عندما يجد ان التشابه بين كلا الحربين يقترح علينا حقيقة ربما نتملص منها ونكابر أمامها دوماً.

جاء اجتياح العام 1982 تحت ذريعة أساسية: حماية شمال إسرائيل من صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية وأعطيت عملية الاجتياح اسما ذا مدلول: «سلام الجليل».

لقد كانت العمليات الانتقامية المتبادلة هي التي مهدت لاجتياح لبنان. وسواء كان الراحل أبو نضال وراء الهجوم على السفير الإسرائيلي في لندن شلومو ارغوف عام 1982 أم الموساد الإسرائيلي، فان المعنى الوحيد لتلك العملية هو أنها كانت ذريعة.

ذريعة؟ نعم ذريعة، لكن اليس من الحصافة السياسية ان لا توفر لاعدائك الذرائع؟

تم اجتياح لبنان وواجه الإسرائيليون مقاومة من مقاتلي منظمة التحرير وصولا إلى حصار بيروت وبدأت المفاوضات حول رحيل الفدائيين عن بيروت. وأثناء الحصار، سجلت إسرائيل صفحات جديدة في تاريخ الخزي بقصفها الذي لم يتوقف ل25 كيلومتراً مربعاً، كانت تسمى بيروت الغربية.

في يوم واحد فقط قصفت إسرائيل المدينة من الجو والبر والبحر بحوالي 180 ألف قذيفة وصاروخ. لم تكن جولات القصف تهدأ سوى ساعات معدودة عندما كان المبعوث الأميركي فيليب حبيب يؤدي مهمته وكان هذا لا يريد سوى تحقيق الهدف الأول للاجتياح: طرد الفلسطينيين من لبنان.

خرج المقاتلون والقيادات وتوج الاجتياح بمجزرة صبرا وشاتيلا. فارييل شارون مهووس بالأرقام كثيراً، أسعفه جمهور متعطش للدم ولحظة جنون في تاريخ لبنان.

كانت البطولات حاضرة أيضاً في اجتياح العام 1982، من قتل الجنرال يكتوئيل آدام وأربعة ضباط كبار في صور إلى معركة الدبابات في خلدة. قيل إن أرييل شارون نفسه كاد ان يقتل في دبابته وهو يتفقد الجنود الإسرائيليين.

الانتقام على طريقة العمليات المتبادلة مهد أيضاً لاجتياح العام 2002. لقد كان الوضع محكوماً بسيناريو متكرر: عملية إسرائيلية تقابلها عملية من حماس أو العكس، لكن الرد الإسرائيلي كان دوما باتجاه السلطة. تماماً مثلما كانت الغارات الإسرائيلية المتكررة على بيروت وقواعد الفدائيين في جنوب لبنان.

أما النتيجة النهائية لهذا فقد اكتملت مع اجتياح الضفة. قتال وبطولات أيضاً توجت أخيراً بحصار الراحل ياسر عرفات في مقره بالمقاطعة وقبل ذلك كان لابد من بعض الإجراءات الضرورية:

مجزرة في جنين تماما مثلما جرى في صبرا وشاتيلا. نهب وزارة الثقافة الفلسطينية والسجل العقاري تماما مثلما نهب الجنود الإسرائيليون مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت عام 1982 قبل أية مهمة أخرى. فالهدف سيبقى هو الذاكرة الفلسطينية.

هذه المقارنة تكفي لكي تستثير ذكاء وحصافة قادة حماس والاستنتاج قد لا يبدو مبهجا. فعندما يتكرر التاريخ على هذا النحو من التماثل، فإن هذا يقترح علينا أسوأ الافتراضات:

إسرائيل تدفعنا إلى مساحة التفكير التي تريدها هي. وإذ تفصل بين الحربين 20 عاما بالضبط، فان هذا يدفع للتساؤل لا عما يمثله الزمن بالنسبة لنا فحسب، بل عن قدرتنا في فهم التاريخ نفسه. وطالما أننا نتحدث عن تاريخنا نحن وتاريخ صراعنا، فإن هذا سيقودنا دون شك إلى عقلنا.

العقل هو محور هذه الحرب كلها، فحرب إسرائيل هي على العقلانية الفلسطينية وعقلانية حماس الآن بالتحديد.

إنهم يدركون تماماً أننا نتحدث عن العقلانية لكن لا نمارسها، نكتب عن العقل لكن لا نفكر به.

آن الأوان لمقاربة جديدة تماما، فإذا كانت عقلية الفعل ورد الفعل والجزاء من جنس العمل قد قادت إلى حربين متشابهتين في الظروف والسيناريو والنتائج خططت لهما إسرائيل، فالأحرى ألا نمهد لحرب ثالثة مشابهة. ألا نعطيها الذرائع لشنها، فقط عندما لا نندفع لليأس مثلما تريد إسرائيل بل نتمسك بالعقل على العكس مما تريد.

كاتب بحريني