بقدر التفاؤل الذي كان سائداً في أوساط المراقبين والساسة الشماليين في أعقاب اتفاقية السلام الشامل بأنها سيتؤدي إلى وضع جديد بعد فترة الشمولية الإنقاذية التي دامت ستة عشر عاماً، وأن ذلك الوضع سيتوج بتكوين حكومة وحدة وطنية تمثل كل القوى السياسية في الساحة السودانية.

بقدر ذلك التفاؤل كان الإحباط وخيبة الأمل بعد إعلان الحكومة يوم الثلاثاء الماضي (20/9) وأدائها القسم بعد ثلاثة أيام. كان الاعتقاد أنها ستكون حكومة وحدة وطنية حقيقية يشترك فيها الجميع، وتكون بداية للتعافي من احتقانات ومرارات الماضي التي أحدثتها الإنقاذ في الساحة السياسية.

وأن السلام الذي جاءت به الاتفاقية سيفتح الباب لعلاقات ايجابية بين الشمال والجنوب وأن التفرغ بعد الآن سيكون للتنمية والبناء في كل أنحاء الوطن بدعم دولي مقدر، وأن الحركة الشعبية ستكون شريكا فاعلاً يكفكف من جنوح أهل الإنقاذ نحو السيطرة والهيمنة.

وأن التحول الديمقراطي سيصبح حقيقة واقعة بل وسيؤدى إلى الاستقرار السياسي الذي حرم منه السودان منذ الاستقلال، اذ تناوبته ثلاثة أنظمة عسكرية قابضة استمرت لما يقرب من أربعين عاما في حين لم تزد الفترات الديمقراطية عن أحد عشر عاما.

بدأت خيبة الأمل في تغيير الأوضاع حين أخذ المؤتمر الوطني والحركة الشعبية 80% من المقاعد الوزارية والبرلمانية في المركز والولايات، وقال الشريكان الجديدان لبقية القوى السياسية: هذا ما تركناه لكم من نصيب خذوه أو اتركوه! وبدلا من عقد انتخابات عامة بعد ثلاثة أعوام كما نصّت الاتفاقية أجلت الانتخابات العامة إلى السنة الرابعة.

ويبدو أن نسبة الـ 52% للمؤتمر الوطني الحاكم و28% للحركة الشعبية ستكون هي النسبة المتبعة حتى في تكوين المفوضيات مثل مفوضية الانتخابات، وتقويم الأداء، والأراضي، وحقوق الإنسان وغيرها مثل ما حدث في مفوضية صياغة الدستور.

ولم يكن سلوك أهل الإنقاذ مستغربا تماما فقد عرفه الناس عن قرب لمدة ستة عشر عاما، ولكن المفاجأة أن الحركة الشعبية التي جاءت شريكا في السلطة بعد إحدى وعشرين سنة من التمرد والقتال يحميها جيش حزب شعبي وتؤيدها قوى دولية نافذة، برهنت على أنها وحش من غير مخالب .

ولا أسنان فقد استكانت تماما لأجندة المؤتمر الوطني وسارت في ركابه حذو النعل بالنعل. لقد تنازلت الحركة الشعبية عن وزارة الطاقة والتعدين رغم أن الأسس التي وضعت لتقسيم الوزارات تعطيها الحق في وزارة الطاقة بعد أن استولى المؤتمر الوطني على وزارة المالية في القطاع الاقتصادي، دعك من القول ان معظم البترول المكتشف حاليا هو في جنوب السودان.

فان لم تصمد الحركة في أخذ حقوقها القانونية فكيف لها أن تساند القوى السياسية الأخرى في نيل حقوقها من فك الحزب الحاكم؟ وكيف لها أن تدعم التحول الديمقراطي وتجعله حقيقة واقعة بعد كل سنوات الشمولية؟

رشحت تصريحات وكتابات كثيرة في الصحف اليومية تنعى التفاؤل الذي غمر الناس بعد توقيع الاتفاقية ثم أصبح سرابا لا يناله إنسان.

لقد رفض كل من حزب الأمة القومي (الصادق المهدي) وحزب المؤتمر الشعبي (حسن الترابي) من وقت مبكر الاشتراك في حكومة بتلك النسب الضئيلة، وظل التجمع الوطني الديمقراطي يفاوض الحكومة حتى اللحظة الأخيرة فما استطاع أن يزحزحها قيد أنملة لتحسين النسبة التي تركت له وتميل معظم فصائل التجمع خاصة الحزب الشيوعي لرفض المشاركة في الحكومة.

ولم يتبق إلا الحزب الاتحادي الديمقراطي (محمد عثمان الميرغني) الذي يقع تحت ضغط مصري قوى يدفعه للمشاركة. وأشركت الحكومة الأحزاب الصغيرة مثل الاتحادي الديمقراطي جناح الشريف الهندي والإخوان المسلمين (الصادق عبد الله) وأنصار السنة وشظايا حزب الأمة التي انفصلت عنه وكونت ثلاثة أحزاب جديدة.

فإذا لم يشترك الاتحادي الديمقراطي جناح الميرغني كما هو متوقع تكون كل القوى السياسية الكبيرة والفاعلة (الأمة والاتحادي والشعبي والشيوعي) خارج حكومة الوحدة الوطنية، لذلك بدأ بعض المعلقين يطلق عليها «حكومة العهد الثنائي أو حكومة السيدين» إشارة إلى أنها حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية.

ومما زاد في الإحباط أن عناصر المؤتمر الوطني التي كانت متنفذة في العهد الشمولي بقيت في مواقعها القابضة، بقى على عثمان في القصر نائبا للرئيس وعوض الجاز في الطاقة والزبير محمد حسن في المالية ومبارك المجذوب في التعليم العالي وزير دولة.

وجاء اللواء عبد الرحيم محمد حسين مترقياً إلى رتبة فريق إلى وزارة الدفاع بعد ان استقال قبل شهور من وزارة الداخلية اثر انهيار عمارة للوزارة بسبب الضعف المهني والغش في مواد البناء، وانتقل البروفسير الزبير بشير طه من وزارة العلوم والتقانة إلى وزارة الداخلية مما أدهش الجميع.

وخرج الدكتور عصام البشير الفقيه العالم من وزارة الإرشاد والأوقاف ليدخلها الطبيب البيطري أزهري التجاني وكلاهما ينتمي لحزب المؤتمر، كما تم تعيين اثنى عشر مستشارا لرئاسة الجمهورية وهذا عدد غير مسبوق ولن يجدوا في القصر مكاتب تسع كل هذا العدد.

فلا غرو ان استيأس من الحكومة الجديدة حتى بعض الخلصاء من أهل الإنقاذ فاعتذر عن الاشتراك فيها الدكتور قطبي المهدي الذي أطلق عليها «حكومة الكوتات» لأنها لم تأبه للكفاءة أو المهنية بقدر ما اهتمت بتمثيل القبلية والجهوية، واعتذر عنها الدكتور غازي صلاح الدين الذي أعلن ضمن مجموعة المستشارين فرفض أداء القسم.

ونال النقد النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق سلفاكير ميارديت من قبل الجنوبيين الذين رموه بالضعف لأنه تنازل عن وزارة الطاقة وقالوا لو كان جون قرنق حياً لما فعل ذلك!

وناله النقد من حلفائه في التجمع لأنه لم يساندهم في وجه حزب المؤتمر رغم تحالفه الطويل معهم في السابق. وبالطبع لم تشترك حتى الآن عناصر من حركتي التمرد في دارفور التي ما زالت تفاوض الحكومة في أبوجا وكذلك حركة التمرد في شرق السودان.

ولو لم تلتحق هذه الحركات بالحكومة في فترة لاحقة وارتبطت بتحالف المعارضة الذي بدأ يتكون من الأمة والشعبي فان الحكومة الجديدة ستواجه أقوى معارضة لها في الشمال منذ مجيئها للحكم في يونيو 1989م تعمل في مناخ الحريات والتعددية الذي يتيح لها قدرا أكبر من الحركة والنشاط غير مسبوق. وليس من باب المغالاة أن يتكهن أحد بأن الحكومة الحالية قد لا تكمل مدتها المتفق عليها بين الشريكين.

وقد تبدأ الحركة الشعبية قريبا بعد أن تسيطر على حكومة الجنوب في انتقاد ومواجهة شريكها القوى في السلطة حتى لا تتهم بالاستكانة والضعف وحتى تستعيد بريقها السياسي أمام مؤيديها في الجنوب ومحبيها في الشمال. وعندها سيجد المؤتمر الوطني أنه محاصر من كل الجهات بما فيها جبهته الداخلية.

كاتب سوداني