تشكل المعرفة بمختلف تجلياتها عنصراً أساسياً من عناصر النهوض بأي مجتمع يحاول جاداً أن يجد له مكاناً تحت الشمس، وتمثل بكل مستوياتها ومجالاتها ثروة حقيقية تقاس بها قوة من يمتلكها ويصدرها، وضعف من يفتقدها ويستوردها.

وهي على عكس الثروات الاقتصادية المادية الأخرى لا يصيبها النضوب السريع، ولا يحل مكانها بديل آخر،إذ يمكننا أن نبحث عن بديل آخر للنفط، لكن لا يمكننا أبدا أن نجد بديلاً آخر للمعرفة، فلا بديل للمعرفة إلا المعرفة.

ولا يمكن في أي مجتمع متقدم الاستغناء عنها أو تهميشها أو التقليل من دورها، خاصة وأنها ـ مقارنة بغيرها من الثروات ـ قادرة على إنتاج أو تكوين مصادر جديدة للقوة بتحويل معطياتها إلى منتجات متطورة واستثمارات مادية ملموسة.

والذي يتأمل واقع العالم العربي في التعامل مع هذا العنصر المهم في صناعة الحضارة وتأسيس القوة يرى أنّنا ـ على الرغم مما يرفع من شعارات وما يردده السياسيون من عبارات توهم بتقدير المعرفة وإعلاء شأن الثقافة÷ ننظر إلى هذا الأمر وكأنه ليس من شأننا، وأنه يوجد على الطرف الآخر من الكرة الأرضية من تكفّل به وأخذ على عاتقه بذل الجهد في تحصيله والقبض عليه والتمكن منه.

وأنه لا بأس أن يصلنا جاهزا مؤطرا بأطر من صنعه وقضى السنوات في فك رموزه وحل معادلاته، لا ضير علينا أن نستفيد مما وصل إليه القوم في مجالات العلوم والتقنية والطب والهندسة، بل والتربية والتعليم، لا تثريب علينا ـ ونحن نريد أن نلحق بركب الحضارة- أن نختصر الزمن فنستورد المعرفة كما نستورد البضائع الأخرى بشتى أشكالها ومختلف أنواعها.

واستيراد المعرفة ليس عيباً أو خطأ في حد ذاته، لكن الموقف الذي يستشفه المرء من ممارسات كثيرة تتكرر في مواقع مختلفة في الوطن العربي تجعل السؤال مشروعاً:

هل قدر للعرب أن يقفوا عند حد استيراد المعرفة دون التقدم خطوة واحدة على طريق صنعها وتصديرها على الرغم من وجود دول بدأت خطط التنمية والنهوض متأخرة عنهم بسنوات طويلة واستطاعت أن تجد لها مكانا منافساً تنظر إليه الدول المتقدمة بعين التوجس والخيفة؟.

إن التعامل مع العنصر المعرفي في الوطن العربي يعكس خلطاً في فهم طبيعة هذا العنصر، ومعرفة متطلبات تحقيقه وشروط التمكن منه، وإدراك أهميته وعمق تأثيره في المجتمع، وقدرته على منح القوة والسيادة.

ويشير إلى عدم وجود رؤية واضحة لها أهدافها المحددة وخططها المستقبلية التي تهدف إلى أن يكون للمعرفة وجود متجذر ممتد في بنية المجتمع العربي بحيث يصبح هذا المجتمع بيئة جاذبة لأبنائه المبدعين في كافة المجالات، يتمسكون بالبقاء فيه والعمل على خدمته والنهوض به، فلا يتحينون الفرص للخروج منه إلى آفاق أخرى يجدون فيها ضالتهم ويتنفسون فيها هواء المعرفة طيبا نقيا.

وقد نتج عن هذا الخلط نتائج كثيرة؛ فقد أصبح كثير من الناس يظنون أنّ استضافة المؤتمرات العالمية المختلفة في قطاعات الاقتصاد والطب والعلوم وجلب العلماء المتخصصين للتحدث في هذه المؤتمرات يحقق لنا نوعا من النهوض المعرفي ويخلق في سمائنا مناخا ثقافيا عميق التأثير.

إنّ هذه الأسماء التي تلمع بها الإعلانات عن الفعاليات الثقافية والعلمية في بلادنا، والتي تصرف المبالغ الطائلة لاستضافتها والتفاخر بالكرم العربي أمامها سيكون تأثيرها لحظيا آنيا.

وهو - إن امتد وبقي- فأين صداه الملموس في المجتمع؟ وأين أثره في رفد ثرواته بمصدر دائم للعلم والمعرفة؟ وهذا لا يعني - بأي حال من الأحوال - الوقوف ضد تنظيم هذه المؤتمرات واستضافة العلماء فيها من أهل التخصص. لكن السؤال هو إلى متى ستدار مؤتمراتنا من قبل غيرنا؟

ومتى سننتقل من دور المستضيف المستقبل إلى دور المؤسس الصانع المصدّر؟ وما الذي فعلناه لتحقيق مثل هذه الغاية الأساسية المهمة؟ وهل العرب -كما ذكر أحد المثقفين- يريدون الدخول في السياق التاريخي للحضارة بلا ثمن ولا جهد؟

كما نتج عن هذا الخلط أن تداخلت المعايير التي يقاس بها تقدم المجتمع وتحضره، فأصبحت بعض المجتمعات ترى أنّ التقدم العمراني يضع المجتمع في مصافّ المجتمعات المتقدمة، فالاستثمار في العمران لا يكون بديلاً عن المعرفة والتقدم الحقيقي في مجالات العلوم والثقافة، فلابد أن تلتحم عبقرية المكان بعبقرية المعرفة حتى يكون لكل من المعرفة والمكان وجود حقيقي أصيل.

إن الثقافة التي تؤسس لهذه النظرة إلى قيمة المعرفة والعلم، والتي ترى أنّ الشأن المعرفي يمكن امتلاكه وتحقيق شروطه بإجراءات آنية سريعة، وتغض الطرف عن المتطلبات الحقيقية لبناء مجتمع المعرفة الأصيل هي ثقافة سرعان ما تذروها الرياح فتندثر وتغيب.

جامعة الإمارات