غزة حرة، على الأقل داخل تخومها، الاستيطان تفكك ورحل عنها، مع حراسه من جنود الاحتلال، منذ أكثر من شهر، مع ذلك لم تلتقط المبادرة في العودة السوية الطبيعية الى ذاتها، بقيت تعيش حالة اضطراب ذاتي، صحيح انها محاصرة ومطوقة.
لكن ذلك لا يمنع ـ بل يجب أن لا يمنع ـ من المباشرة ببناء منظومة علاقات ومؤسسات، تتلاءم مع وضعها الجديد. فكل وضع له ظروفه. وعليه لا يجوز الاستمرار في ما كان سائداً قبل زوال الاحتلال ونقله الى المرحلة التي أعقبت هذا الزوال. والتجربة، في غزة، أثبتت ان مواصلة الفلتان، خيار محفوف بالمخاطر والخسائر، بل يهدد بالمزيد والأسوأ.
وسط المخاوف من تفاقم هذه الحالة حصل تطور ملفت، وربما يكون من الصنف المفصلي، إذا تم توظيفه في المجرى السليم. حركة حماس قررت، فجأة، وقف عملياتها من غزة، وأثار قرارها ردود فعل مختلفة.
ثمة من قال إن هذا الموقف جاء نتيجة للضغوط الداخلية أو الخارجية. آخرون رأوا فيه تنازلاً «مجانياً» لا داعي له وغيرهم وصفه بالقرار «الخاطيء» والمنفرد. لكن بصرف النظر عن الأسباب والاعتراضات والدواعي.
فإن لهذا القرار جوانب أخرى يمكن تجييرها لصالح الوضع الفلسطيني والمساهمة بنقله الى حالة أرقى من التماسك والفعالية. فبالاضافة الى أن ذلك من شأنه نسف الذرائع الإسرائيلية ـ الواهية والمفتعلة بكل حال ـ وكشفها، فإنه يفتح الباب، في القطاع، للشروع في توفير شروط البناء لمرحلة ما بعد الاحتلال.
وبالتحديد بناء مؤسسات المجتمع المدني، فقد آن الأوان للبدء في هذه المهمة والإسراع في إنجازها، ففي تحقيقها مردودات إيجابية، محروم منها المجتمع الفلسطيني، في غزة، منذ حين، فمن خلال المؤسسات ـ هيئات محلية وانتخابات نيابية ـ يترسخ مفهوم المشاركة ويستقيم الحوار، كما يصار إلى تنظيم الصراع السياسي وضبطه بآليات تؤدي إلى الابتعاد عن مخاطر الاحتكام للسلاح أو التهديد به.
فضلاً عن ذلك فإن النهوض بهذه المهمة واختيار هذا التوجه، في ساحة محررة ـ ولو منقوصة السيادة ـ من شأنه تعزيز شروط الصمود وتزخيم التصدي للاحتلال في أراضي الضفة، كما أنه يؤسس لبناء سياسي، قابل للتمدد والانتقال إلى كل شبر يندحر عنه الاحتلال، من جهة، وقادر على إخراس الترهات الإسرائيلية القائلة إن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم!
غزة الخارجة من جحيم الاحتلال من حقها أن تنعم ليس فقط بالأمن والأمان الداخليين، بل أيضاً ـ وهذا واجب كذلك ـ بشرف أخذ المبادرة في البناء المؤسسي المدني والحضاري الذي يستحقه الشعب الفلسطيني الصابر، الصامد. وعلى القوى الفلسطينية ألا تفوت هذه الفرصة.