مؤسف ومثير للدهشة الحكم بالسجن سبعة أعوام على الزميل تيسير علوني لأكثر من سبب نحسبها مهمة، وبخاصة اننا نعيش عصر الاتصالات والثورة التكنولوجية والانترنت وبات النظر الى حرية الصحافة وحرية التعبير وحق الشعب في معرفة الحقيقة جزءا حيويا في المشهد الدولي..
أول هذه الاسباب إن المحكمة الاسبانية لم تثبت عضوية الزميل علوني في تنظيم القاعدة ما يعني ضعف الادعاء الذي استندت اليه في حكمها بانه «تعاون» مع القاعدة وهو ادعاء لا يصمد ابدا في مهنة الصحافة وبخاصة الصحافة الفضائية التي تعتمد الصورة والخبر السريع حتى لا نقول الخبطة الصحفية والسبق الصحفي فما بالك والزميل مراسل لفضائية تسعى للبقاء في سوق المنافسة المفتوح والمحتدم اضافة الى تواجده في منطقة ساخنة بل ربما اكثر النقاط سخونة في سياق الحرب الاميركية على الارهاب ووجود العقل المدبر لهذا التنظيم الارهابي وهو اسامة بن لادن فيها..
هل يستكين الصحافي للكسل وينتظر في مكتبه ، ان تأتيه الأخبار أم يبذل كل ما لديه من وسائل ونفوذ وعلاقات وامكانات فنية وشخصية ومهنية للالتقاء «بصانعي الاخبار» والقرارات من شخصيات مثيرة او قضايا شائكة وملتبسة تهم الجمهور؟
لن ندافع عن أسامة بن لادن فهذه ليست مهمتنا بل نحن ندين كل أعمال الارهاب التي قارفها تنظيمه وما يزال، وندعم كل جهد مكرس لمحاربة الارهاب وتجفيف منابعه لان البشرية بأسرها باتت مهددة من ممارساته غير الانسانية لكن الالتقاء به في مقابلة متلفزة وبخاصة بعد هجمات الحادي عشر من ايلول الارهابية ليست شرا مطلقا وما قام به الزميل يعتبر في عرف الصحافة والجمهور عملا مهنيا بل انجازا يسجل له لا عليه.
ثم إن الدفع بتهمة التعاون مع القاعدة بالنسبة الى صحافي تعني في جملة ما تعني الغاء مهنة الصحافة او السعي الى تدجينها ليس فقط بما هي تهمة متهافتة فحسب بل لان ذلك يمكن ان ينسحب على اي صحافي يجري مقابلة مع زعيم معارض في دولة ما او تنظيم مسلح مثل تنظيم «ايتا» الاسباني الباسكي الانفصالي او الجيش الجمهوري في ايرلندا الشمالية او جيش الرب في أوغندا اواي تنظيم إرهابي آخر ما يمكن اعتباره تسييسا للموضوع وزج الصحافي في قضايا وصراعات ذات طابع سياسي لاعلاقة له بها من بعيد أو قريب..
قد يكون الصحافي متعاطفا وقد يكون غير متعاطف لكنه وفي الدول الديمقراطية مثل اسبانيا لا يمكن ان يؤخذ على افكاره او عواطفه ويدان او يعنف او يخضع للابتزاز والتهديد ورأينا في دول عديدة كيف تحمي دساتيرها حق الصحفي بالاحتفاظ بمصادر معلوماته رغم ان صحافية اميركية دفعت ثمنا باهظا عندما اختارت دخول السجن على كشف مصادر معلوماتها في قضية ما تزال تثير جدلا واسعا في الولايات المتحدة وهي الكشف عن اسم عميلة لوكالة المخابرات المركزية في قضية شراء اليورانيوم من دولة النيجر من قبل النظام العراقي السابق.
لكن مقابلة تيسير علوني مع بن لادن نشرت في اربعة ارجاء المعمورة واعتبرت في حينه «اختراقا» لعالم زعيم تنظيم القاعدة الارهابي ودخولا الى عالمه الغامض والمجهول.
آن الاوان لرفع الايدي عن الصحافة والصحفيين والتعامل معهم من قبل الدول والتنظيمات السياسية والاحزاب بطرق عصرية تتماشى و«العولمة» التي يعيشها عالمنا اذ لم يعد هناك ما يمكن اخفاؤه.. ومهنة الصحفيين هي البحث عن الحقيقة وايصالها لمن يرى إنها ضالته ولا يمكن الابقاء على المفاهيم البالية المقيدة للصحافة والصحفيين والراغبة في اعتبارها مهنة اضافية او عبئا على الانظمة والاحزاب السياسية ولهذا ننظر بأسى ودهشة وأسف وحزن كبير للقرار الذي اخضع له الزميل علوني ونتطلع باحترام وتقدير الى عدد كبير من الزملاء الصحفيين الذين يسقطون ضحايا الحروب والقتل والاغتيالات والسجون في العالم اجمع.