تطرح القضية الفلسطينية نفسها على ساحة المجتمع الدولي باعتبارها اقدم قضايا التحرر واكثرها دموية واختلاطا ايضا، ذلك بطبيعة الطرف المعتدي الذي يقيم شبكة علاقات واسعة تمكنه من تزوير الحقائق وطمس معالم الوقائع والقدرة على تجيير الرأي العام لصالحه ، وكان ذلك قائما حتى في ظل وجود الثنائية القطبية خلال حقبة الحرب الباردة.

والآن انتهت الثنائية القطبية وحل محلها عالم واحادى القطب تهيمن عليه فئة قليلة من المتعصبين المعروفين باسم (اليمينيين الجدد) وهو اسم تم استعارته تلك الفئة لاخفاء حقائق هذا العصر الذي ينزع القوي فيه لاتهام حقوق الضعفاء تحت شعارات مضللة، ليس هذا فحسب ولكن ايضا التماس الوسائل التي تبقي على الضعيف ضعيفا وتفكيك مكامن القوة في الاقوياء لينضموا الى فصيل الضعفاء غير القادرين على الدفاع عن مصالحهم.

وفي طليعة هؤلاء يأتي الفلسطينيون الذين مورست بحقهم كل صنوف التضليل والتزييف لطمس معالم قضيتهم وتضييع حقوقهم، ولا ينكر احد ان الانتفاضات المتعاقبة لفتت انتباه العالم الى ضرورة الحرص في التعامل مع القضية الفلسطينية من منظور الاسرائيليين وحدهم، إلا ان عدم قدرة فصائل المقاومة الفلسطينية على اللحاق بقطار الحل السياسي عرضهم لكثير من الضربات والخسائر الميدانية والسياسية، كما عرضوا المدنيين الفلسطينيين للكثير من الاذى.

لكن حركة حماس وهي احدى الفصائل المقاومة الاساسية اكتشفت اخيرا ان من الاجدى لها الانصياع الى السياق العام الذي تمضى فيه القضية الفلسطينية من وجهة نظر اهلها وقادتها في السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن ثم فان قرار وقف اطلاق الصواريخ من غزة يعتبر قراراً رشيداً وموضوعياً عاد بشعور الارتياح على أصحاب القضية ومناصريها والمتعاطفين معها بشكل عام.

فقد فتح عناد بعض الفصائل لمتطرفي تكتل الليكود الحاكم في اسرائيل الباب واسعا لنسف اي محاولة للتهدئة، بعد القاء المسؤولية على عاتق الجانب الفلسطيني كلما انطلق صاروخ بدائي لا يترك اي اثر مادي او معنوي يذكر.

ومن المؤسف ان بعض الفصائل الفلسطينية لم تدرك حساسية الموقف الذي كان قد التهب بين شارون ونتنياهو على زعامة الليكود، خاصة وان انصار نتنياهو اعتبروا الخروج الاسرائيلي من غزة خطأ يجب تصحيحه وحملوا ذلك شعاراً ضد شارون الذي اضطر الى استعادة مصداقيته امام الاسرائيليين بإعطاء أوامر مطلقة لجيش الاحتلال بعدوان متواصل على قطاع غزة دخل يومه الرابع على التوالي دون ان تنجح الفصائل او غيرها في وقفة.

وإذا كان الجميع يتحدث عن الديمقراطية فإن اهم معانيها العودة الى الشعب لاتخاذ القرار، فالشعب الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن في كل الاحوال، وقد سبق أن قال هذا الشعب كلمته بتغليب الحل السياسي ممثلا في التصويت لرئاسة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس والسلطة الوطنية القائمة، فلماذا الالتفاف على رغبة الشعب الفلسطيني في الحل السياسي إذن؟

لقد أصبح باب الممارسة السياسية مفتوحا أمام حماس وكافة الفصائل الاخرى فليضعوا أيديهم في أيدي قادة السلطة الوطنية وليكن صندوق الانتخاب هو الفيصل في كل خلاف حول ماهية النضال في المرحلة المقبلة، ومن حق الشعب الفلسطيني بعد كل هذه التضحيات ان يحظى بفرصة لالتقاط الانفاس والتماس شيء من استراحة المحارب للتفكير والتأمل، وواجب جميع المناضلين الفلسطينيين ان يمنحوا شعبهم هذه الفرصة.