هل يجوز نعت كل من الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني بعدم المهارة السياسية؟ لا أظن. لكن يصبح جداً ـ كما أثبتت تطورات أحداث «السلام» في السودان وتعامل كل من هذين الزعيمين الكبيرين معها ـ نعتهما بإدمان حلم اليقظة.
هما الآن في العراء السياسي بعد موت «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض، ومع ذلك لا يبدو أن أياً منهما يريد التوقف لإحصاء الخسائر. وأهم من ذلك إحصاء الأخطاء التي أفرزت الخسائر.
مع «الحركة الشعبية» الجنوبية بزعامة جون قرنق تحالف «حزب الأمة» (المهدي) مع «الحزب الاتحادي الديمقراطي» (الميرغني) تحت مظلة التجمع في عام 1995، ومن الوهلة الأولى كان من الواضح لأي مراقب أنه زواج مصلحة تكتيكية. فلم تكن تربط بين هذه الأطراف الثلاثة رؤية أيديولوجية لمستقبل السودان.
كانت «الحركة» الجنوبية بحاجة إلى غطاء سياسي شمالي يضفي عليها صفة «قومية»، بينما كان الحزبان الشماليان الكبيران يريان في جيش الحركة قوة قتالية ضاربة يمكن أن تضعضع «نظام الإنقاذ» أو حتى تسقطه عسكرياً.
كانت هناك مفارقة، فبينما كان قرنق مدركاً ـ بعين براغماتية انتهازية ـ الطبيعة التكتيكية المرحلية والمؤقتة للتحالف، علقا مراهنة كاملة على بقاء الحركة الجنوبية في التجمع.
من خلال رؤيته الانتهازية كان قرنق لا يرى كزعيم للشعب الجنوبي فارقاً سياسياً بين المهدي والميرغني والبشير: كلهم في نظره شماليون يجوز استغلالهم واستحلال دمهم لصالح الجنوب، بينما أقنع المهدي والميرغني نفسيهما بأن قرنق سيقدم لهما السلطة على طبق من ذهب بعد أن تطيح الحركة بنظام الإنقاذ.
على أن زعيم حزب الأمة وزعيم الحزب الاتحادي لم يكونا بحاجة للانتظار والترقّب إلى أن دخلت «الحركة» في عملية تفاوضية ثنائية مع «الإنقاذ» متجاهلة تماماً حلفاءها في التجمع. فقد كانت على الطريق محطات كان على الزعيمين الشماليين التوقف عند كل منها لمساءلة جون قرنق: أين نحن ماضون؟
وللإنصاف، ينبغي أن نقول هنا إن الصادق المهدي اتخذ موقفاً في مرحلة ما عندما تبلورت لديه قناعة بأن قرنق لا يهيمن فقط على قيادة التجمع، بل أيضاً يقوده وفقاً لأجندة «الحركة» الجنوبية. لكن بالرغم من أن حزب المهدي ترجم تذمره إلى خروج علني من عضوية التجمع، إلا أنه عاد وتصالح مع الحركة الجنوبية.
من أبرز المحطات التي كان يتعين على الزعيمين الشماليين التوقف عندها رفض الحركة الجنوبية للمبادرة المصرية ـ الليبية وقيام الحركة بوضع خريطة جديدة للسودان تعكس توسعاً جغرافياً نحو الشمال للرقعة الأرضية للجنوب، بحيث تكون منطقة جبال النوبة ومنطقة جنوب النيل الأزرق وأبيي جزءاً لا يتجزأ من الجنوب. وبالطبع كانت المحطة الأبرز هي إقصاء أحزاب المعارضة الشمالية من مفاوضات ماشاكوس.
من محطة إلى محطة أسلم الزعيمان الشماليان قيادهما إلى جون قرنق دون مساءلة فضلاً عن محاسبة. وكان من أعظم المفارقات أنه عندما خرج المهدي من التجمع وَوُجِهَ بعاصفة نقدية عاتية من بقية قادة التجمع وأنصاره.. ولكن حين خرج قرنق على التجمع بارتضائه تفاوضاً ثنائياً مع «الإنقاذ» من وراء ظهر «التجمع» فإنه لم يواجه بموقف مماثل.