في قضية التحقيق باغتيال رفيق الحريري، يدور كلام نعتقده فارغاً، حول تسييس المسألة من عدمه، في حين أنها قضية سياسية من العيار الثقيل، سواء من ناحية مقدماتها، إذ أن الرجل المعني كان رئيس وزراء بلد تجاذباته السياسية ثقيلة العيار أيضاً يعيش حالة من المد والجزر مضى عليها ردح من الزمن، في محيط إقليمي ينام على صفيح ساخن منذ فجر التاريخ.
أو من ناحية نتائجها، التي باتت ملامحها تتضح رويداً رويداً، حيث تطبخ على نار هادئة في غير عاصمة عالمية وفي أكثر من محفل محلي أو إقليمي أو دولي.فبينما تحث لجنة التحقيق الدولية بقيادة القاضي الألماني المحنّك ميليس الخطى باتجاه تحديد هوية مرتكبي الجريمة الشنيعة، باتت الرافعة السياسية لهذه القضية على أتم الأهبة والاستعداد.
حيث تمثلت مبادرتها الأولى في المؤتمر الدولي، الذي عقد تحت لافتة الدول الداعمة للبنان في نيويورك على هامش وبموازاة قمة العالم، التي تعقدها الأمم المتحدة للمرة الستين.
وضم تشكيلة سياسية واسعة الطيف والتأثير، ممثلوها كانوا وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر ورئيس وزراء لبنان وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وغيب عنه عمداً رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود، الذي كان يشارك معانداً في قمة العالم تلك، التي عُقدت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
حيث لم يُعقد المؤتمر الموازي فحسب، وإنما تقاطعت كلمة الرئيس اللبناني أمام القمة مكانياً وزمانياً مع المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة عقب انتهاء أعمال الاجتماع الموازي، ذلك الاجتماع الذي حال دون حضور الرئيس بشار الأسد لقمة العالم، التي عوّلت عليها الدبلوماسية السورية الكثير، لكن لو أن الأسد ذهب إلى نيويورك لكان قد غيب عن الاجتماع الموازي تماماً مثلما حصل مع نظيره اللبناني.
وبينما خيّمت أجواء ضبابية على نتائج قمة العالم التي جاءت باهتة للغاية، سواء باتجاه ملف إصلاح الأمم المتحدة أو ملف الإرهاب، الذي لم تتمكن القمة من التوصل إلى اتفاق حول تعريف محدد له، رغم تأكيداتها على محاربته بقوة، خرج اجتماع الدول الداعمة للبنان بقرارات واضحة لا لَبس فيها تصدَّرتها الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول لبنان قبل نهاية العام الجاري في بيروت، ما يمثل استحقاقا من العيار الثقيل كذلك للبنان .
وعلى لبنان ومحيطه العربي والإسرائيلي، لكن ضمن عملية فرز من نوع جديد لا تقوم هذه المرة على التعامل مع الدولة كمؤسسة واحدة متحدة بهياكلها ومراتبيتها التقليدية، بل على تجاذبات سياسية استباقية الصنع، على غرار مذهب «الحرب الاستبقاية» الأعوج.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو: هل سيغيب رئيس الجمهورية اللبنانية عن المؤتمر الدولي المقبل، الذي سيعقد على التراب اللبناني هذه المرة؟
كما أن هذا الاستحقاق يأتي في زمانه ومكانه متناسقاً مع استحقاق آخر لا يقل أهمية عن الأول ويتمثل في انتهاء المهلة الزمنية الإضافية التي طلبها القاضي ميليس من الأمم المتحدة ليتسنى له إعداد تقريره لنهائي حول قضية اغتيال الحريري، مروراً بالعاصمة السورية طبعاً، حيث تجري مقابلات مع مسؤولين سوريين للإدلاء بشهاداتهم حول هذه القضية.
وبالتالي، فإن المنطقة أمام استحقاقين، أو هكذا أريد لهما أن يبدوا على الأقل، ذلك أنهما لا يمثلان سوى وجهين لعملة واحدة صك على أحدهما خارطة سوريا وعلى الوجه الآخر خارطة لبنان طبعاً وذلك ليتسنى لهذين البلدين مواصلة مسارهما التاريخي المشترك، الذي لطالما نادى به الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، لكن هذه المرة من منظور أميركي بحت وبعد رفع الغطاء الأميركي.