بينما كشفت اعترافات وزير الخارجية الأميركي السابق الجنرال «كولن باول» عن غياب الرؤية الأميركية الصحيحة في التعامل مع المسألة العراقية بالإشارة إلى خطابه عام 2003 في الأمم المتحدة الذي ثبت له لاحقاً أنه غير مطابق للواقع .
وأن قرار شن الحرب ضد العراق كان قصير النظر، كشفت تصريحات لوزير الخارجية السعودي الأمير «سعود الفيصل» في اليوم نفسه في مقر الأمم المتحدة قبل خطاب باول بساعات ما يشير إلى وضوح الرؤية العربية لواقع المسألة العراقية وأن تحذير الفيصل من النتائج السلبية بشن الحرب ضد العراق كان بعيد النظر.
لقد عبر الفيصل عن القلق من أن أي حرب محتملة قد تحول العراق إلى أفغانستان أخرى، ورغم أن الوزير لم يتناول بالتفصيل إلا جانباً واحداً من جوانب الصورة الأفغانية إلا أننا نستطيع من القراءة الجديدة لتصريح قديم أن نتبين الفارق بين من يفهمون ثقافة واقع المنطقة العربية وبين من يجيدون فهم ثقافة الهمبرغر.
لقد توقع الفيصل في مؤتمر صحافي عام 2003 بنيويورك ما حدث ويحدث في العراق الآن بنسبة كبيرة من الدقة وبقدر كبير من الواقع إذا ما وقعت الحرب التي لم تكن قد وقعت بعد، وحذر من تناحر الطوائف العرقية والدينية في العراق من أجل السلطة قائلاً: «كل الفئات الموجودة في العراق ستقدم تصوراتها لتكوين حكومة وطنية كما حصل في أفغانستان.
وستأتي الفئات المختلفة وتقدم آرائها حول تكوين الحكومة الوطنية، وإذا حدث ذلك فكل منطقة ستطلب أن يكون عندها إدارة محلية مستقلة محذراً من أنه متى ما أقرت الإدارة فمعنى ذلك أنه الاقرار بدولة منفصلة أو مستقلة».
وشدد الوزير السعودي على مطالبة الأمم المتحدة بضرورة الاهتمام بوحدة أراضي العراق حتى لو أجاز مجلس الأمن شن الحرب.
وإذا كان هذا التحذير العربي قد انطلق قبل أكثر من عامين من نيويورك فإن ما شوهد ويشهده العراق منذ الغزو الأنجلو أميركي لأراضيه يكاد يتطابق مع تحذيرات الفيصل.
فالخلافات التي شهدتها الساحة العراقية بين القوى السياسية والعرقية والمذهبية حول «الفيدرالية» خصوصاً فيما كشفت عنه المناقشات في لجنة إعداد مسودة الدستور، أظهرت أن الدستور الذي يجري إعداده إنما تجري صياغته على خلفية ما سمي بقانون «إدارة الدولة العراقية» الذي أصدره ممثل الاحتلال الأميركي «بول بريمر» غير المأسوف على رحيله من العراق.
وهذا القانون الملغوم تضمن الكثير مما أثار مخاوف العراقيين والعرب على وحدة العراق حين تضمن النص على فيدرالية الدولة العراقية.
وهذا ما دعى إلى الإقرار بفيدرالية كردية في الشمال تلاها ما أثار مزيداً من المخاوف بدعوى أخرى لزعيم الشيعة بفيدرالية في الجنوب والوسط مما أثار رفض العرب السنة لصيغة هذه المسودة خشية من تفتيت وحدة العراق.
وهذا هو الوضع الحالي لطبيعة الخلاف على مشروع الدستور في العراق.. هذا الوضع الذي لم يكن ليصل إلى هذا المأزق إلا بسبب الاحتلال الذي نتج عن الحرب الأنجلو أميركية غير القانونية ضد العراق والتي لا يغيب عن أحد أن تقسيم العراق كان أحد أهدافها الخفية.
أمام تلك الصورة ومقارنة بين وزير الخارجية الأميركي الذي توقع النصر في الحرب وفشل، ووزير الخارجية العربي الذي حذر من النتائج ونجح، نستطيع بوضوح أن نتبين أين تقع منطقة الحكمة في هذا العالم.