لا توجد دولة في العالم تثير تساؤلات بشأن مغزى قيامها ومدى قدرتها على الاستمرار، بقدر ما تثيره إسرائيل، خصوصا في حال استمرارها على شكل دولة يهودية الطابع، ومعادية لمحيطها.

الحقيقة أن شرعية هذه التساؤلات لا تنبثق من تفاعلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو من ما يسمى «القنبلة الديمغرافية» أو من وجود إسرائيل في محيط أكثري عربي، فقط، وإنما أيضا من حال النشاز الذي تشكله هذه الدولة بواقعها، السياسي والأيدلوجي والديني المغلق، في عالم يحثّ الخطى نحو الدمقرطة واللبرلة.

وما بعد الحداثة، والانتقال إلى دولة المواطنة والانفتاح على الدولة ما بعد الوطنية وربما فوق القومية، بدفع من مسارات العولمة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وبدفع من مسارات التسوية الجارية، رغم كل تعقيداتها.

اللافت أن علامات الشك حول مصير إسرائيل ومستقبلها، بدأت بالتنامي أكثر من السابق، بالضبط مع انطلاق عملية التسوية ( في مطلع التسعينيات)، وعلى خلفية شعور إسرائيل بالاستقرار والأمن، إثر تراجع خطر التهديد الخارجي، بعد هيمنة الولايات المتحدة على النظامين الدولي والإقليمي.

المفارقة أن هذه الميزات الايجابية بالنسبة لإسرائيل، كما يفترض، انعكست عليها بتنامي تناقضاتها الداخلية، وبتراجع نفوذ العلمانية لصالح الأصولية الدينية، وبروز ظاهرة حرب الثقافات (بحسب تعبير باروخ كيمرلنغ)، بين تيارات وطوائف المجتمع الإسرائيلي.

وثمة تحليلات إسرائيلية تشير إلى أن إسرائيل تسير رويدا رويدا نحو الانشقاق، بنتيجة التناقضات التي نشأت معها منذ قيامها، لاسيما بين المتدينين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، والقوميين المتعصبين والليبراليين، والمستوطنين الجدد والقدامى إلى درجة أن البعض تحدثوا عن هذه الانشقاقات بمصطلحات التحذير من الحرب الأهلية!

وفي هذا الإطار يمكن تفسير الضجّة التي شهدتها إسرائيل مؤخّرا بشأن المقالة التي نشرها الصحافي الأميركي بنجامين شفارتس في مجلة «اتلانتيك» الأميركية، التي تصدر في بوسطن (عدد شهر مايو)، وعنوانها: «هل ستبقى إسرائيل بعد مئة عام؟». ولعل هذه الضجّة المفتعلة مجرد محاولة للتهرّب من الأسئلة الحقيقية، المتعلقة بالمصير.

وربما أنها نوع من الاحتجاج على تدخل «الأغيار» في مناقشة مستقبل إسرائيل، أو جدوى وجودها على هذا الشكل في هذه المنطقة!وكان أبراهام بورغ، الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي وأحد زعماء حزب العمل (سابقا)، نعى بنفسه دولة إسرائيل والمشروع الصهيوني، في مقال نشره قبل عام، بقوله:

«الدولة الإسرائيلية تقوم الآن على الفساد والقمع والظلم. وبناء عليه، نهاية المشروع الصهيوني وشيكة جداً. وهناك احتمال كبير بأن يكون جيلنا آخر أجيال الصهاينة..قد تبقى الدولة اليهودية قائمة لكنها ستكون من نوع مختلف، غريبة وقبيحة..الدولة التي تفتقر إلى العدالة لا تدوم.

لا يمكن أن ينجح هذا.. لا يمكن الاحتفاظ بكل شيء بدون دفع ثمن. لا يمكن أن نترك غالبية فلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية ونعتبر أنفسنا في الوقت عينه الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لا ديموقراطية بدون حقوق متساوية لكل من يعيشون هنا، العرب واليهود.

ويؤكد المحلل الإسرائيلي زئيف شطرنهل على هذا المسار بقوله: «كانت الصهيونية حتى الأعوام الأخيرة مصنوعة من قماش واحد، وكانت الفوارق بين التيار الديني والتيار العلماني، بين اليمين واليسار، بين الاشتراكيين والآخرين برمتهم، فوارق في الدرجة واللون لا في الجوهر مستعمرتنا هذه، شأنها شأن جميع المستعمرات السابقة لها مصيرها إلى الزوال وما ليس واضحاً بعد هو فقط الثمن الذي سندفعه ريثما يحدث ذلك».

بديهي أن لكل دولة ومجتمع وظاهرة تناقضاتها واشكالياتها، وإسرائيل ليست استثناء من ذلك، ولكن الكلام عن مخاطر التناقضات الداخلية على إسرائيل، كدولة ومجتمع.

لا يوجد فيه شيء من المبالغة، فهو يصدر عن قادة سياسيين وعن مفكرين ومحللين إسرائيليين؛ لاسيما أن هذه الدولة ليست مجرد دولة عادية، كونها لم تنشأ بصورة طبيعية كغيرها من الدول، كما أن التهديدات الخارجية التي تواجهها لا تتعلق فقط بالحدود.

وربما أن مشكلة إسرائيل تكمن في أن التناقضات والانشقاقات، التي تعيشها خطيرة ومؤثّرة، كونها تمسّ تعريفها لهويتها وحدودها الجغرافية والبشرية ودورها الوظيفي في المنطقة، وعلاقتها بالولايات المتحدة، وبالعالم الغربي عموما؛ كما تمسّ علاقتها بعملية التسوية ومدى تجاوبها معها من عدمه.

وكان الفيلسوف يشعياهو ليبوفيتش عبّر مبكرا عن مخاوفه من هذه الانقسامات بقوله: «هل لدينا مستقبل مشترك؟ بماذا نشكل، في دولة إسرائيل، شعبا واحدا؟ هل في كوننا نؤهل معا دبابات أميركية؟

أو نحظى معا بمنح أميركية؟ هل نملك مضمون حياة مشتركا باستثناء جيش الدفاع الإسرائيلي؟ إذا أصبح الجيش مضمونا قيميا للقومية فواحسرتاه على هذه القومية».

وعبر أوري أفنيري عن ذلك بقوله : «يعيش هنا شعبان، لا يفصل بينهما فقط اللباس وطريقة الحديث، وإنما كل شيء تقريبا: الإحساس بالانتماء، منظومة القيم، والخلفية الاجتماعية لا مجال للكلام الفارغ حول المصالحة والحوار. يجب الاعتراف بحقيقة وجود شعبين هنا، وإيجاد نظام يسمح لهما بالعيش جنبا إلى جنب».

كاتب فلسطيني