حاييم رامون من قادة حزب العمل البارزين واحد ممثلي الحزب في حكومة شارون، وممثله في اللجنة الوزارية المصغرة إلى جانب شمعون بيريس المكلفة بالإشراف على خطة الانفصال من طرف واحد.

وعضو في المجلس الوزاري المصغر المنوط به اتخاذ القرارات السياسية والأمنية في إسرائيل كتب مقالا مهماً في صحيفة معاريف ونشرته الصحف الفلسطينية المحلية بتاريخ 3/9/2005، عبارة عن تصور للسياسة الإسرائيلية المقبلة ان لم نقل خطة عمل.

واهم ما جاء في مقاله «خطته» بعد ان شن هجوما على منطق اليسار الراديكالي الإسرائيلي ممثلا بـ يوسي بيلين ومنطق اليمين التقليدي ممثلا بنتانياهو هو:

(من المحظور تكرار الخطأ التاريخي، من المحظور العودة للمراهنة على شاكلة ما حدث في كامب ديفيد 2000، والوقوع في إغراء ما يقترحه اليسار الراديكالي والسقوط مرة أخرى في مصيدة «المفاوضات حول التسوية الدائمة» ذلك لان شريكنا الموجود محمود عباس لا يستطيع التوقيع اليوم على اتفاق مقبول.

ولا حتى على اتفاق على شاكلة اتفاق جنيف، ناهيك عن ذلك انه لا توجد فرصة لتوفير أغلبية سياسية في إسرائيل مؤيدة لاتفاق على صورة جنيف لذلك كل محاولة جديدة للسعي نحو التسوية السلمية الدائمة فورا ستؤدي في الواقع إلى نسخة جديدة من نتائج كامب ديفيد الكارثية)، وتابع شارحا خطته للمستقبل بشكل أكثر تحديدا:

( ما تبقى هو إذا مواصلة التمسك بمبدأ حلول أحادية الجانب: اتخاذ قرار حول ما يتوجب على إسرائيل ان تفعله حتى تضع حدا للاحتلال لصالحها.

وليس من اجل أي أمر آخر حفاظا على طابعها الديمقراطي بالأساس، من اجل تحسين وضعها الأمن الطبيعي وتقليص الاحتكاك مع الفلسطينيين، إذا كان من الممكن فستتم سياسة فك الارتباط أحادية الجانب بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني والأسرة الدولية ولكنها لن تكون مشروطة إلا بأمر واحد ووحيد هو مصلحة دولة إسرائيل.

عمليا هذه هي الخطوات التالية التي يتوجب الإقدام عليها: استكمال فك الارتباط أحادي الجانب بالتنسيق مع الفلسطينيين في يهودا والسامرة أيضا وإنهاء بناء الجدار الفاصل على امتداد كل مناطق فك الارتباط بسرعة والإبقاء على مناطق أمنية في غور الأردن .

وجمع كل السكان اليهود خارج الكتل الاستيطانية الكبرى داخل الجدار الفاصل، هذه الخطة الأمنية السياسية الضرورية لهذه المرحلة الطريق الوحيد دون اندلاع الانتفاضة الثالثة، هو تنفيذ فك الارتباط الثاني).

وتأتي أهمية خطة رامون من موقعه في قلب دائرة صنع القرار السياسي في إسرائيل، ولكونها تعبيراً قريباً من الدقة عن رؤية التيار السياسي المركزي في إسرائيل ممثلا في غالبية حزب العمل والليكود وشينوي وآخرين.

فهو يعلن بوضوح وصراحة عن ضم الكتل الاستيطانية وجميع الأراضي خلف جدار الفصل ومناطق في الأغوار باعتبارها مناطق أمنية من جهة، وتأتي أهمية هذه الخطة من جهة ثانية من كون سياسة الانفصال من جانب واحد هي السياسة التي توصلت قيادة إسرائيل لاعتبارها السياسة الأكثر مناسبة لها في هذه المرحلة التاريخية لاعتبارات عدة.

وقد شاهدنا معالم تطبيقها في قطاع غزة وفي شمال الضفة وفي معبر رفح مع مصر عندما أغلقته من طرف واحد، لتفرض بالاعتماد على القوة كأمر واقع على الفلسطينيين استعمال معبر كيريم شالوم.

رفض الفلسطينيون والمصريون معا الشروط الإسرائيلية فيما يتعلق بالمعابر، وتأتي أهمية هذه الخطة من مباشرة إسرائيل كما نشرت الصحف الإسرائيلية مؤخرا بتحديد 36 معبرا على الجدار الفاصل، ثلاثة في غزة وثلاثة وثلاثين في الضفة الغربية.

وتجهيزها امنيا باعتبارها معابر حدودية أو شبه حدودية ويجري التفاوض مع البنك الدولي لتمويل عملية تجهيزها بكلفة مالية قدرها 150 إلى 200 مليون دولار.

ان رامون يقول لنا «الفلسطينيون» ولأشقائنا وأصدقائنا وللمجتمع الدولي بأن هذا ما نريده عمليا من خطة الانفصال من جانب واحد وما عليكم سوى القبول به والتعامل معه.

ولا تختلف خطته عن خطة شارون بشيء، سوى بتفاصيلها الواضحة، فهو يرفض مثل شارون التفاوض على ما سمي بقضايا الحل الدائم، (ويعتبر محادثات كامب ديفيد وطابا فشلا مخزيا للساسة الإسرائيليين الغاضبين ) حسب تعبيره.

وهذا وصفه لزملائه في حزب العمل، ان اتفاقية جنيف بين عبد ربه وبيلين سيعتبرها (تسلية فكرية جميلة من دون جذور في الواقع) ويخلص إلى نتيجة واحدة هي ان التسوية المفروضة من جانب واحد هي التسوية الملائمة لإسرائيل ولمصالحها في هذه المرحلة.

ومن المفارقات ان نشر خطة رامون، والمباشرة بتنفيذها اذا جاز تسميتها كذلك، لأنه يدعي انه صاحب فكرة الفصل الشامل من جانب واحد بما فيها الجدار الفاصل وكافح مع قادة حزب العمل.

ومن بعدهم شارون لتبنيها منذ سنتين، تزامنت مع إعلان اللجنة المكلفة بإعادة النظر بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية برئاسة دان ميردور الوزير السابق واحد قادة الليكود، تزامنت مع إنجاز هذه المراجعة.

واهم ما جاء فيها حسب ما سرب منها ان الحدود الجغرافية لم تعد أساسا ضروريا للدفاع عن إسرائيل في الوضع الحالي وفي ظل امتلاك إسرائيل لناصية التكنولوجيا العسكرية المتطورة بما فيها إمكانات صنع الأسلحة ونقلها وتوجيهها وبخاصة الأسلحة المدمرة.

وفي ظل التغيير في ميزان القوى الدولي والإقليمي، وإذا أضفنا لهذا ما لم تقله المراجعة وهو امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية الأمر الذي يؤكد بوضوح تفوقها العسكري على المستوى الإقليمي.

هذا ما يفسر حديث رئيس الأركان السابق في يونيو الماضي عندما قال (ان بمقدور جيش الدفاع الإسرائيلي حماية إسرائيل وحدودها في حال الانسحاب من الجولان).

وإذا ما أضفنا لهذا إعادة الانتشار من غزة وشمال الضفة والاستعداد لمتابعة هذه الخطة في بعض مناطق أخرى من الضفة كما ورد في خطة رامون يصبح واضحا ان ضم غالبية أراضي الضفة بما فيها القدس والمطالبة بنقاط أمنية في منطقة الأغوار لا يمت بصلة بالدواعي الأمنية، لان هذا يتناقض مع حديث رئيس الأركان الإسرائيلي السابق موشيه يعلون في يونيو الماضي .

ومع نتائج المراجعة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية الذي قام بها الوزير السابق دان ميردور وفريق من قادة الجيش والاستخبارات والمخابرات المتقاعدين وأساتذة الجامعات بتكليف رسمي من الحكومة وقيادة الجيش والتي تقول ان احتلال الأرض لمدة دائمة لم تعد ضرورية لحماية امن إسرائيل، مثلما كان الأمر سابقا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

صحيح ان تصريح رئيس الأركان واستخلاصات لجنة مراجعة العقيدة العسكرية ليس بالضرورة ان تكون ملزمة لصانع القرار السياسي الإسرائيلي ولكنها ستؤثر في طبيعة القرارات في المرحلة المقبلة، ولو أنها ستكشف عن تناقضات في السياسة الإسرائيلية.

والاستخلاص الذي يمكن الخروج منه هو ان صانعي القرار الإسرائيلي يفرقون بوضوح بين الوضع الفلسطيني وكيفية إدارة احتلالهم للأرض الفلسطينية وبين باقي دول الجوار.

فهم يعترفون بهذه الدول وبحدودهم معها، ولو كان لهم مطامع في بعض المناطق مثل الجولان ومنابع المياه فيه وبجنوب لبنان، ولديهم رأي بطبيعة تسلحهم كذلك.

ولكن بالنسبة لفلسطين فالأمر مختلف إلى حد كبير ان لم نقل كليا، فهم ما زالوا يتعاملون مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره في الجوهر مشكلة داخلية ممكن التغلب عليها بالإجراءات الأمنية، مثل الفصل، جدار الفصل، فرض قيود على الحدود وعلى السكان..الخ.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية