تشمل العملية الاجتماعية ـ الثقافية القوى والمؤسسات والنشاطات والقرارات ذات الصبغة الاجتماعية والأبعاد الثقافية والمؤثرات التراثية التي تصوغ وتدير وتعمل على توجيه الشؤون الاجتماعية والقضايا الثقافية للأمم والشعوب.
وتقوم العملية الاجتماعية-الثقافية بأداء مهامها من خلال الحفاظ على التراث وإعادة إحياء بعض جوانبه الثقافية المهمة، والتأكيد على الموروث من القيم والعادات والمعتقدات، والتصدي للمحاولات الداخلية والخارجية التي تهدف إلى تشويه الثقافة الوطنية. وبسبب طبيعة الدور المجتمعي لهذه العملية.
والذي يميل بطبعه نحو تعزيز قوى الثبات والاستمرارية في المجتمع والتشكيك في القوى الداعية للتغير والتطور، فإن العملية الاجتماعية ـ الثقافية استطاعت الحفاظ على جوهر هويتها الوطنية وتوازنها المجتمعي خلال معظم مراحل التاريخ دون تغير أو تحول جذري.
رغم نجاح العملية الاجتماعية-الثقافية في أداء دورها المجتمعي على مدى العصور، نلاحظ دخولها حديثا حالة من التخبط وفقدان التوازن. ويعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل خارجية وداخلية، في مقدمتها:
تسارع التطورات في مجالات التكنولوجيا الصناعية والتنظيمية والإعلامية، وتزايد حدة المنافسة بين الشركات الكبيرة من أجل السيطرة على الأسواق العالمية، وتنامي المجتمع الاستهلاكي في كل الدول، وتزايد دور رأس المال في حياة المجتمع عامة وفي تحديد مكانة الفرد الاجتماعية خاصة.
إلى جانب ذلك، تسبب ارتباك العلاقات الاجتماعية والسياسية بين المجموعات العرقية والثقافية والدينية المختلفة في غالبية الدول في خلق حالة من التوتر والصراع بين مختلف الأقليات.
ولقد أدت هذه التطورات إلى حدوث ردة ثقافية ودفع العملية الاجتماعية ـ الثقافية في اتجاه التفتت إلى ثقافات فرعية فئوية وطائفية تتباين وقد تتناقض فيما بينها.
وعلى سبيل المثال، يميل الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية ذات التعليم العالي والمؤسسات ذات الصلة الوثيقة بالغرب إلى اقتباس نتاج الغرب التكنولوجي والعلمي والدعوة إلى تبني القيم والمسلكيات التي تمليها وتتطلبها استخدامات تلك التكنولوجيا والعلوم.
وهذا يعني اتجاه هؤلاء إلى مطالبة العامة من الناس بالتخلي عن الكثير من القيم المتوارثة والعادات والتقاليد السائدة والقبول بمبدأ التلاقح الثقافي والانفتاح على التجارب الحضارية للغير من الأمم والشعوب.
وفي المقابل، تحاول غالبية الأقليات الاثنية والثقافية والدينية وكل الفئات الاجتماعية التقليدية الحفاظ على هوياتها الذاتية، وذلك من خلال التمسك بالقديم من العادات والتقاليد والقيم والدعوة إلى إحياء التراث وصيانته.
كما تتجه الفئات الأكثر تطرفاً من النواحي الدينية والثقافية إلى اتهام المطالبين بالتغيير والإصلاح بالإساءة للتراث والعمل على طمس الهوية الوطنية والخاصية الثقافية للأقليات العرقية والدينية. وفي ضوء هذه التطورات لم يعد بالإمكان الحديث عن ثقافة وطنية، كالقول مثلا بوجود ثقافة مصرية أو لبنانية أو ثقافة عربية أو أوروبية.
وحيث إن الثقافة هي أهم العناصر المكونة والمنظمة للمجتمع، فإن اختفاء الثقافة الوطنية يجعل من الصعب الحديث عن وجود مجتمع وطني أو شعب متجانس في أي بلد من بلاد العالم.
إن نجاح العملية الاجتماعية ـ الثقافية في الحفاظ على وحدة المجتمع من ناحية، وتعرضها للضعف والتفكك في العقود الأخيرة من ناحية أخرى جعلها تتفتت، خاصة في المجتمعات النامية المنتمية لحضارات قديمة، إلى عدة عمليات فرعية تختلف فيما بينها من حيث الشكل والمكونات والأهداف.
إن الاختلاف بين هذه الثقافات لا يقوم على أساس عرقي أو ديني أو فئوي فقط بل وأيضا على أساس طبقي ونخبوي. ولقد ترتب على هذا، اتجاه البعض إلى قيادة المجتمع نحو التغيير والدعوة إلى قبول غالبية إن لم يكن كل ما هو جديد من الأفكار والقيم والمواقف والتقاليد.
واتجاه البعض الآخر إلى قيادة المجتمع نحو التمسك بالقديم من العادات والقيم والمواقف والدعوة إلى إحياء التراث والحفاظ على التقاليد المتوارثة.
وبينما ينطلق أتباع التيار الأول من قناعة أساسها الإيمان بالتغيير كسبيل لتحقيق التقدم، ينطلق أتباع التيار الثاني من قناعة أساسها الإيمان بالقديم كوسيلة للحفاظ على وحدة المجتمع وصيانة الهوية الوطنية.
أما أتباع الثقافات المؤسسة على الدين والعرق فيميلون إلى الاعتقاد بأن الكثير من الأفكار والقيم والمواقف الجديدة يشكل غزوا ثقافيا يهدد بنية المجتمع وثقافته وهويته ولا يقل خطرا عن الغزو العسكري والاستعمار.
إن تناقض القناعات الفكرية بين الفئات الاجتماعية المختلفة جعل من الصعب التوفيق بين مواقفها ومطالبها وقاد بالنتيجة إلى حدوث تمحور اجتماعي ـ ثقافي في المجتمع، وإن اختلفت حدته بين مجتمع وآخر.
وبينما اتجه كل فريق، خاصة في الدول النامية إلى التمسك بوجهة نظره، قام في الغالب بالتشكيك في أفكار الآخرين ونقد مواقفهم واتهامهم أحيانا بالعمالة.
نتيجة لذلك أصبح من الصعب تداول السلطة في المجتمع بالطرق السلمية كما هو عليه الحال في الدول الصناعية الديمقراطية، وأصبح الصراع العقائدي من أهم سمات الحياة في تلك الدول.
وبالتالي تلاشت قدرة تلك المجتمعات على ممارسة الديمقراطية. وتعتبر الدول العربية والإسلامية مثالاً للمجتمعات التقليدية التي تعاني من حالات التمحور الاجتماعي ـ الثقافي وتقاسي نتيجة لذلك من فشل التجارب الديمقراطية وقيام الدولة بمصادرة الحريات العامة.
إن حدوث التمحور الاجتماعي ـ الثقافي على أسس عقائدية جعل من السهل على الفئات الحاكمة احتكار السلطة والاستمرار في الحكم. ويعود السبب في ذلك إلى فشل المتطرفين في كسب ولاء الأغلبية الشعبية، ونجاح الدولة في كبت التطرف والمتطرفين وعزل المثقفين غير التقليديين، وبقاء أغلبية الناس خارج اللعبة السياسية.
ومما ساعد الفئات الحاكمة على البقاء في الحكم دون تحديات تذكر قيامها بمحاولات ناجحة للجمع بين الحداثة والتقليد، وذلك لإرضاء المعتدلين من الفئات الاجتماعية المختلفة.
إلا أن قيام السلطة بإدخال بعض النظم الحديثة في الإدارة والتعليم دون تعديلها وأقلمتها، والسماح في الوقت ذاته باستيراد الكثير من وسائل الاستمتاع بالحياة والبضائع الكمالية التي تعتبر بعيدة عن متناول الفقراء كان سببا في تعميق حدة التمحور الاجتماعي ـ الثقافي في المجتمع.
إن تحديث الشكل دون المضمون والفشل في إقامة مؤسسات الحكم العصرية، والقيام بتمجيد التراث والدفاع عن التقاليد دون نقاش حر ومفتوح أدى إلى شل المجتمع ككل، كما تسبب في حرمان كل القوى الاجتماعية من التنافس الشريف لقيادة المجتمع، وبالتالي ساهم في تكريس التخلف على أرض الواقع.
إن تعرض كل المجتمعات النامية بما في ذلك المجتمعات العربية والإسلامية للتمحور الاجتماعي ـ الثقافي أدى إلى ظهور تعددية ثقافية ـ اجتماعية في كل مجتمع، خاصة في المدن الكبيرة. وحيث إن الثقافة هي أساس المجتمع، إذ لا يوجد مجتمع بدون ثقافة ولا توجد ثقافة بدون مجتمع، فإن التعددية الثقافية أدت إلى تبلور تعددية مجتمعية.
حيث يتمزق المجتمع الواحد إلى مجتمعات متباينة من حيث طريقة الحياة والتفكير والهدف، وإن كانت تعيش في أماكن متقاربة وتنتمي لأوطان واحدة.
وبينما تفصل عشرات الأمتار تلك المجتمعات عن بعضها البعض في غالبية الأحيان، تفصلها القرون الثقافية والحضارية من حيث المواقف والقيم والمعارف العلمية والتكنولوجية والتجارب الحياتية.
نتيجة لذلك، أصبح التحدي الأهم الذي يواجه الدولة القومية لا ينحصر في الحفاظ على الثقافة أو الهوية الوطنية، بل يتمحور حول كيفية إعادة بناء الثقافة وهيكلة المجتمع بشكل يحقق التكامل ويكفل التعايش بين وحداته المختلفة.
rofessorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي