«في أوقات السلم والرخاء، تسود الدول والأفراد مشاعر ايجابية وحالات وجدانية أفضل لأنهم لا يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة ضرورات ملحة. لكن الحرب تحرمهم من الامدادات السهلة للاحتياجات الأساسية اليومية، متحولة بذلك الى أداة قهر متجهمة تنزل أو ترفع شخصيات معظم الناس الى مستويات توازي حظوظهم من الدنيا».
هكذا فسر المؤرخ اليوناني ثوديسيس قبل حوالي 2400 سنة نوبات الفوضى الغربية خلال احدى الثورات على جزيرة كورفو. الاحراق المتعمد للممتلكات، أعمال السلب والنهب، إطلاق النار على المروحيات، القتل العشوائي، الاغتصاب الجماعي والتدافع العنيف.. كلها أمور يفترض ان تحدث فقط في الأماكن الأخرى ـ في بغداد أو رواندا ـ وكأن الأميركيين مستثنون من زلات الثقافة لمجرد أننا نعيش في الولايات المتحدة.
نحن لسنا مستثنين، كما شاهدنا جميعاً في نيو أورليانز وعندما تلاشت بروتوكولات الحضارة الأميركية في خضم العاصفة والفيضان، تبعها على الفور انحطاط إلى همجيتنا الغريزية. ومن المؤسف أن الإعصار كاترينا وتصدّع السدود المانعة للفيضانات فوق نيو أورليانز، تزامناً مع عواصف متعاقبة من الوحشية البشرية والطبيعية.
أولاً، لقد ضغطنا على الطبيعة أكثر من اللازم، فلقد نسيت أميركا أنه لا يوجد حالياً على وجه الأرض سوى عدد قليل جداً من المدن الواقعة تحت مستوى البحر، أضف إلى ذلك أن نيو أورليانز تقع على ساحل في مهب الرياح الهوجاء.
وبجانب دلتا أحد أكبر الأنهار في العالم وتحت رحمة بحيرة ضخمة تقع مباشرة فوق المدينة. والمعجزة الحقيقية هي أن سكان نيو أورليانز لم يكونوا قد شهدوا إلى الآن فيضانات مدمرة تغمر مدينتهم على غرار ما يحدث في مدينة البندقية أو نابولي.
لكن إلى جانب المخاطر الطبوغرافية، فإن سكان نيو أورليانز يعانون أيضاً من ثقافة لويزيانية متحجرة لم تتطور كثيراً من ديماغوجية هوي لونغ في ثلاثينات القرن المنصرم.
وأن سبب وجود الماكينة الحزبية هو تقديم الإعفاءات للأثرياء والمساعدات للفقراء. ولقد رأينا ثمار هذه السياسات القديمة القائمة على مبدأ «كل إنسان ملك» في الطريقة المخزية التي اتبعها المسؤولون الحكوميون المرتبكون في إلقاء المسؤولية على الآخرين.
وعمدة نيو أورليانز الذي وقف حائراً في البداية وتردد في طلب المساعدة الفيدرالية لإخلاء المدينة بأكملها، راح يطلق وابلاً من الانتقادات العنيفة الصاخبة المليئة بالكلام المنمّق الفارغ فيما كانت مئات الحافلات العامة تقف ساكنة في مكانها. وحاكمة لويزيانا الباكية راحت تشتكي بحرقة من الحكومة الفيدرالية. فيما صبّت السيناتور ماري لاندريو جام غضبها على الرئيس قائلة:
«ربما عليّ أن أضربه ـ بالمعنى الحرفي للكلمة». وهذا الثلاثي البائس أظهر كم كانت نيويورك محظوظة بوجود عمدة مثل رودي جولياني في 11 سبتمبر 2001. أو كم كانت لوس أنجلوس محظوظة بوجود ريتشارد ريوردان وقت وقوع الزلزال الشهير.
وفي حين أن ملايين آخرين في ولاية ميسيسبي المجاورة التي لحقها الدمار أيضاً أظهروا ردة فعل تلقائية مباشرة للأزمة دون الكثير من العنف، فإن الكثيرين في ضواحي الأميركيين الأفارقة الفقيرة والمكتظة بالسكان.
والتي يتجاهلها البيض ويتلاعب بها الديماغوجيون المتطرفون ـ اختاروا أن يبقوا فيها أو تركهم الآخرون وراء ظهورهم فيما كانت نيو أورليانز تغرق في الماء.
ومع ذلك، فإن أولئك الذين تقطعت بهم السبل افترضوا بشكل أو بآخر بأن الوكالات الحكومية ستوصل لهم مساعدات فورية إلى قلب المنطقة المنكوبة التي ضربتها تلك الكارثة المهولة، وعندما لم تستطع تلك الوكالات فعل ذلك، راح البعض يسرق الأجهزة الكهربائية من المتاجر (برغم انقطاع التيار الكهربائي) .
وتوجه البعض الآخر لسرقة المشروبات الكحولية، برغم عدم توفر الطعام في المقام الأول، وحتى وسط المياه المحيطة بكل مكان استطاع المخربون إحراق مجمع تجاري. وبرغم الطرق المغمورة بالمياه .
وغير السالكة استطاع آخرون التجول في أنحاء المدينة لاغتصاب النساء وإطلاق النار على رجال الشرطة. واستجابة لكل هذه الظروف المريعة، وصل جيسي جاكسون إلى المنطقة جواً ليس لتنظيم فرق المساعدة الذاتية بل فقط لإلهاب مشاعر الغضب بتشبيه الوضع هناك بـ «أجواء سفينة لنقل العبيد».
وسارع ناشط الحقوق المدنية راندال روبرتسون إلى الادعاء، دون أي دليل، بأن ضحايا الإعصار السود «بدأوا يأكلون لحوم الجثث البشرية ليستطيعوا البقاء على قيد الحياة» لكنه عاد وسحب هذه التصريحات بعد ان اتضح للجميع أنها عارية عن الصحة.
نحن أيضاً في حالة حرب مثيرة للجدل. لذلك كان لابد من ان تهبّ المزيد من العواصف السياسية ـ التي سخّر بعضها المأساة البشرية للهجوم على جورج بوش.
وأكد خبراء من اختصاصات مختلفة للناس بأن هناك اعداداً كبيرة من قوات الحرس الوطني موجودة في المنطقة، وبأن الأعاصير في السنوات القليلة الماضية لم تكن بنفس وتيرة القرن الماضي وبأن صيانة السدود التي تم تعزيزها مؤخراً حصلت على التمويل الكافي.
لكن هذا الكلام كله لم يغير شيئا، فالمتعصبون الحزبيون، من روبرت كنيدي إلى سيدني بلومنتال أصروا على اطلاق الاتهامات القائلة بأن سبب موت آلاف الضحايا في كارثة كاترينا هو التسخن الأرضي أو حرب العراق أو التشريعات البيئية القاصرة أو الرئيس بوش نفسه. وبالطبع فإن مايكل مور وسيندي شيهان سارعا إلى الصراخ أيضا لاستعادة اضوائهما الاعلامية.
خدمة «لوس انجلوس تايمز»
خاص ل«البيان»