السياسي واع، حذر يقيس الظروف وفق تحليل سليم حتى تصبح الاستراتيجية ناجحة خاصة بعد أن وعت الشعوب أن سلاح المقاومة يهزم أي قوة في الكون إلا ما تحرمه القوانين الدولية باستخدام الأسلحة الفتاكة من قبل المحتلين أو المعتدين..
بريطانيا، أو مخططو سياساتها التاريخية، كانوا من أنضج المفكرين إذ ظلوا يقيسون خطواتهم بحذر شديد حتى إن المبدأ الميكافيلي هم من طبقه بحذافيره وسادوا العالم «بفرق تسد» لكن تلك المدرسة الكبيرة، سقطت بعد حرب السويس، وإذا ما استثنينا حرب الفوكلاند التي انتصرت بها، فإن غرقها في مستنقع العراق كشف أن تلك الريادة ذهبت لنهايات غير سعيدة، عندما جاء من يعتبر المغامرة خلف قوة عظمى تصرفاً سليماً،
ومن هنا كان نضج الشعب البريطاني عندما خرج متظاهراً ضد الحرب على العراق، ويكرر الآن نفس التصرف مما جعل بلير يعترف بأن المقاومة العراقية فوق الحسابات كلها، وأن ثمن برميل النفط الذي كان أحد المغريات بات يدفع ما يوازيه بالحجم والكثافة من الدم، وهذا الخطأ يجب أن يوضع في قائمة السياسات التي لا تعطي لحس شعبها الحقيقة الثابتة بحيث تتكامل المشاركة بين المواطن والسلطة.
ولعل ما نحسد عليه بريطانيا بديموقراطيتها العريقة، أنها بدأت تحذف بند شعبها، حتى إن التحريض على الإرهاب واستهدافها كان بسبب هذه السياسة، وإن كان الإرهابيون لا يفرقون بين صديق وعدو إلا أننا لا نجد بلداناً مثل اليابان، وكوريا، والصين دول عداء لأن تاريخها بالمنطقة لم يتعد المبادلات التجارية والعلاقات الطبيعية..
فرنسا (ديغول) أدركت أن حريات الشعوب ليست نمطاً مستحدثاً، وإنما جزء من إيمان أصيل بذات الشعوب، وقد تصرفت بعد الاعتداء الثلاثي على مصر بمميز ثقافي، وحس واع، بمعنى أنها صارت تتخذ سياستها ضد شن الحروب وجاء من يضعها في سلم الدول القديمة التي لا تعي حركة التاريخ وتسارعه ونمط استخدام القوة بأسلوب جديد، وسياسات معاصرة، إلا أن العراق كشف صدق تصورها، والخطأ الفادح الذي وقعت به كل من أميركا وبريطانيا..
هناك من يضع العراق شبيهاً لفيتنام، لكن بمواصفات معاصرة، والحقيقة انه رغم تحديد المقاومة بالعنصر السني، وهم النسبة الأقل في إحصاءات تقديرية إلا أن توالي الأيام، وسوء الادارة السياسية، ربما يجبران المحتلين على مضاعفة هذه الأعداد من قوى عراقية قد لا تجعل معيار المذهب حائلاً دون التضامن ضد هذه الحرب ومسرحيتها الدائمة العروض، والمؤشرات تقول إن دافعاً حاداً قد يجبر الدول المحتلة على الخروج، وهو الخيار الصعب الذي لابد منه..