أين تودع أموال مبيعات النفط العراقي؟ ومن هي الجهة المخولة لها سلطة الصرف من هذه الأموال؟ من لديه الإجابة عن هذين السؤالين بوسعه أن يقول لنا وللعالم أين وكيف اختفى ألفا مليار دولار من الأرصدة العراقية الحكومية على دفعات متتابعة. عند مغادرته الأراضي العراقية نهائياً أخذ بول بريمر رئيس الإدارة الاحتلالية الأميركية في بغداد في حقيبته الشخصية ألف مليون دولار نقداً.

هذا ما روته الصحافة الأميركية في حينه، وما هو أكثر إثارة أن بريمر لم يصدر أي نفي لهذه الرواية الإخبارية فضلاً عن إقامة دعوى قضائية، فالصحف الأميركية قالت حينئذ ان بريمر أخذ المبلغ لمنفعته الشخصية قبل بريمر وقبل عملية الغزو الأميركي للعراق في مارس 2003 كانت العائدات المالية لصادرات النفط العراقي تحفظ في عهدة الأمم المتحدة.

ففي إطار العقوبات الدولية التي فرضت على عراق صدام منذ عام 1991 كانت تتحكم في هذه الأموال وأوجه صرفها لجنة تمثل الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي بموجب نظام «برنامج النفط مقابل الغذاء» ورغم وقوع حالات رشوة واختلاس على مستوى الموظفين التنفيذيين التابعين للأمم المتحدة وعلى مستوى السلطة العراقية نفسها إلا أنه كان هناك دائماً ما يكفي من الأموال لمقابلة تمويل واردات العراق من السلع الضرورية كالأغذية والأدوية وقطع الغيار اللازمة لخدمات مثل التوليد الكهربائي.

مع دخول العراق عهد الاحتلال الأميركي انتهى تلقائياً دور الأمم المتحدة وبالتالي انتهت قصة «النفط مقابل الغذاء» ولكن بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي أنشئ ما أطلق عليه «صندوق تنمية العراق» ليكون وعاء تصب فيه العائدات النقدية لمبيعات النفط العراقي في السوق العالمية؟

والسؤال الذي يطرح هو: أين هذا الصندوق ومن يملك سلطة الإشراف عليه؟ فمنذ إنشاء الصندوق لم يسمع عنه شيء.لكن أيا تكون الإجابة فإن سلطة الاحتلال الأميركية تتحمل المسؤولية بالكامل عن المخالفات الجسيمة التي كشفت عنها صحيفة «اندبندنت» اللندنية الأسبوع الماضي، فقد نقلت الصحيفة عن وزير المالية العراقي الحالي أن هناك عمليات نصب «فقدت» بموجبها أموال تبلغ في جملتها ألفي مليار دولار.

ربما تكون عناصر في الحكومة العراقية شريكاً في الجريمة لكنهم قطعا ليسوا المجرم الأصلي الأكبر فالحكومة العراقية ليست سوى واجهة للسلطة الحقيقية المتمثلة في الإدارة الاحتلالية وفي هذا الصدد أوردت «اندبندنت» ان عناصر في الجيش الأميركي والاستخبارات الأميركية «لعبوا دوراً كبيراً في تلك العمليات خلف الكواليس».

هكذا يستثمرون الاحتلال ويعملون على إطالة بقائه حتى تتواصل عمليات النهب. ومع ذلك يتبارى حكام عرب في دمغ القوى الوطنية العراقية بالإرهاب وإدارة بوش ليست بعيدة عن التواطؤ، فالخطابات والتصريحات التي يواصل الرئيس الأميركي إطلاقها لتبرير بقاء الحالة الاحتلالية ليست سوى ستار دخاني للتغطية على ممارسات الإدارة الاحتلالية في بغداد والشركات الأميركية المتواطئة معها ولذا فإنه لن تكون هناك محاسبات.. أو حتى مجرد تحقيقات.