.. ومن الطبائع العربية أيضاً، أن عالمنا الكبير، الممتد من المحيط إلى الخليج، لا يعرف من أنظمة الحماية والمراقبة والضبط غير المباحث الجنائية والسياسية، وما يقع بين هذا وذاك لا يسأل عنه، فالمهم للأنظمة أن تكون لديها الأجهزة القوية التي تحميها، وتضمن لها الاستقرار، وأجهزة الأمن التي تكون في الغالب هي العين الساهرة، واليد الطولى، وهي قوة وأد النوايا السيئة وليس الأفعال، وهي نفسها في كثير من الدول تتحول إلى قوة بطش أولاً.

ثم قوة حماية للفاسدين والمنحرفين، وحائط صد يمنع عنهم أي انتقاد أو تساؤل، ومع ذلك هي تحفظ كل هفوات الذين كلفوا بمهام سياسية وإدارية كبرى، تجمع عنهم المعلومات بالصوت والصورة وتسجل عليهم كل شاردة وواردة، ابتداء من الذين يجالسونهم، وانتهاء بأنواع الأكل الذي يحبونه، مروراً بتحركات زوجاتهم وأولادهم، وهمسات هواتفهم، وبالتأكيد لن ينسوا حالات انحرافهم الإداري والأخلاقي،

ويعدوا لهم قيمة منافعهم أو رشاويهم، ولا مانع لديها بين فكرة وأخرى من توجيه نصيحة أو تحذير للشخص المعني ليقولوا له «نحن هنا» حتى يضمنوا الولاء، أولاً والخوف ثانياً. وكل مسؤول فاسد ومنحرف يعلم أن له ملفاً في إدارات الأمن، ويعلم أيضاً بأنه محصن ضد المعلومات ما دام مرضياً عنه، وانها ـ أي المعلومات ـ لن تخرج إلى النور أبداً ما دام هو أيضاً متكتماً على الآخرين، الذين هم أعلى منه في السلم، والذين قد يكون اطلع على انحرافاتهم وصفقاتهم المشبوهة، وشارك في تحريرها.

بعض الدول العربية أرادت أن تبين النزاهة في نظامها الإداري، فاستحدثت «مباحث الأموال العامة» كان المعلن عنها أنها تحمي أموال الدولة والشعب، وتحولت هذه الإدارات إلى «مصايد» لمن يراد أن يعنى به، واستشرى الفساد فيها، لأنها قامت على التمييز والتغطية والتستر،

ومن يغطي انحرافاً لابد أن تكشف له مجالات انحراف خاصة به، أي أن يقبض ثمن التغطية والتستر، وأيضاً السكوت وتزييف المحاضر الرسمية والتقارير العلنية، واكتملت صور الانحراف حتى طالت من يفترض فيهم حماية الأوطان من الاستغلال والنهب والاعتداء.

myousef_1@yahoo.com