لن تكون هناك حرب أهلية في غزة كما تتمنى إسرائيل وكما يصرح بذلك بعض العرب ومنهم كتاب وصحافيون ما زالوا يمارسون خطيئة التحريض، واقصد تحريض السلطة على أبنائها وشعبها والسبب غاية في البساطة لأن الأهل هناك يعرفون قواعد اللعبة أكثر من عشاق التنظير وحملة الأبواق.

لقد راهنت إسرائيل منذ اتفاقية أوسلو ودخول السلطة إلى غزة وأريحا على وهم كاذب بأن حرباً أهلية قادمة لا محالة في غزة والضفة وراهن معها جمهور المحرضين من بني يعرب، ثم خاب أملهم بعد أن أعلن الفلسطينيون أن الحراب لن تتجه نحو الصدور.ورغم الشد والجذب الذي شهدته الساحة هناك إلا أن خرافة الحرب الأهلية لم تتحقق ولم تجن إسرائيل من ذلك سوى الوهم وخيبة الأمل.

اليوم تعود تلك الاسطوانة المشروخة على وجهيها العربي والعبري لتعزف ذلك النغم النشاز. البعض يحذر بدافع الحرص والآخر بدافع التحريض وتخويف السلطة من أبنائها وتناسى أولئك النفر أن تاريخ فلسطين لم يتحدث يوما عن احتراب داخلي أو فتنة حتى وان ظهرت بين الحين والآخر أصوات نشاز أو تدافعات بالاتجاه الخاطئ و الأمور لم تخرج يوما إلى حد الحرب التي تمناها بني يهود أو تلمظ بها البعض من الداخل.

ما قام به أبناء غزة حتى الآن يحسب لهم لا عليهم ولم نسمع منهم يوما تغولاً على السلطة أو تحديا لها بقدر ما هو تحد للصلف اليهودي الذي خرج مهزوما من غزة ولبنان، ويحاول الآن بكل السبل التحريض على الاقتتال الداخلي الذي فشل في أحداثه قبل خمسة عشر عاما حين أعلن الشيخ ياسين أن البندقية لن تتجه إلا لمكان واحد. أنا أجزم أن الذين تصدوا للاحتلال لن يرفعوا سلاحا لغير وجهته، والخوف ليس من الفصائل بقدر ما هو من رجال السلطة نفسها والصراعات التي لا تخفى على احد في سباق الاستئثار بالنفوذ والسلطة.

وإذا تمكن أبو مازن من كبح جماح هذه القوى داخل السلطة ذاتها فإن خرافة الحرب الأهلية ستسقط كما سقطت عندما راهنت عليها إسرائيل بعد أوسلو. إذا نجح أبو مازن في ذلك فإنه سيجد كل العون ليس في ضبط الانفلات الأمني فقط بل وفي الانفلات المالي الذي ساد خلال الحقبة الماضية دون رقيب أو حسيب تضخمت على أثره الجيوب والأعناق التي حان ليّها وتعديلها.

asmadi@albayan.ae