تحولت مدينة نيويورك الأسبوع الماضي، إلى ما يشبه مكتب «المأذون الشرعي» الذي «يوفق رأسين في الحلال»، لاسيما بين أطراف ملف الصراع العربي الإسرائيلي، المتخم بالتعقيدات الكبيرة والرؤى المتباعدة والقضايا المهمة العالقة، التي لا تسمح على الإطلاق لأحد بإعطاء منح وجوائز للجلادين الذين يرفضون حتى هذه اللحظة إعادة الحقوق المغتصبة الى اصحابها، بل ويطالبونهم بنسيانها وإسقاطها من اجندة اهتماماتهم القومية.
فعلى هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة، بدا واضحا أن إسرائيل حرصت على اخذ ثمن خطوة الانسحاب من قطاع غزة «كاش» ومن دون تقسيط، على الرغم من أن الضفة الغربية لا تزال محتلة والقدس تئن تحت وطأة التهويد والمسجد الأقصى محاصر بخطط شريرة تستهدف تدميره.
والثمن الذي سعت اسرائيل الى الفوز به هو «التطبيع» مع الدول العربية والاسلامية، وكان لافتاً ان وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم، لم يضيع هذه الفرصة وطرق العديد من الأبواب التي فتحت أمامه من دون مقاومة، إذ التقى نحو عشرة من نظرائه العرب والمسلمين.هذه اللقاءات فتحت شهية شالوم للقول إن «الظرف ملائم من اجل حصول تقارب بين اسرائيل والبلدان العربية والإسلامية يمكن أن يصل إلى حد إقامة علاقات دبلوماسية كاملة».
ليس هذا فقط، بل أراد شالوم ان ينزع «ورقة التوت» عن الممتنعين ظاهرياً عن العلاقات مع إسرائيل، بدعوته الدول العربية والاسلامية الى اعلان اتصالاتها المتزايدة مع إسرائيل على الملأ، حتى «تدرك الشعوب رغبتنا المشتركة في العمل معا من اجل احلال السلام والأمن في منطقتنا». وقال «إن الجدار الحديدي الذي حدد العلاقات الاسرائيلية مع معظم الدول العربية والاسلامية على مدى اجيال، بدأ ينهار».
لم يبعد شالوم عن الحقيقة كثيراً، عندما قال إن الجدار الحديدي بدأ ينهار، بدليل أن وزيراً عربياً ذكر أن بلاده تدرس اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل حتى قبل اقامة الدولة الفلسطينية، ثم لحقه وزير عربي آخر بالقول إن بلاده لن تكون اخر من يقيم علاقات مع إسرائيل، بينما سارع ثالث الى دعوة شالوم لزيارة بلاده، قائلاً بفصاحة عربية منقطعة النظير «يجب أن تمثل الزيارة فرصة حقيقية لعملية السلام في الشرق الاوسط لتتم على الأرض».
لم تقف الجوائز التى حصدتها إسرائيل من خطوة الانسحاب الاحادي من غزة عند هذا الحد، بل إن دولة عربية قالت إنها «سترفع المقاطعة الاقتصادية التي كانت تفرضها على البضائع الإسرائيلية»، وإن بررت هذا الامر بقوانين منظمة التجارة العالمية، مع ترديد النغمة التي تقول إن التطبيع رهن بإقامة الدولة الفلسطينية المستقبلية».
ولاشك أن كل ما سبق ليس مبرراً على الإطلاق، خاصة وأن ورقة التطبيع هي الاخيرة في يد العرب، وإذا أسقطناها الآن مثلما أسقط الخيار العسكري منذ زمن طويل، فإن عودة الحقوق العربية مجددا لأصحابها ستكون محل شك.لكن الرهان الآن سيكون على الشعوب،
التي لن يستطيع احد اجبارها على القبول بالتطبيع مع جلادي إسرائيل، فإذا كانت الحكومات تتعرض لضغوط من اجل اقامة علاقات مع اسرائيل قبل عودة الحقوق، فإن مناعة الشعوب الثقافية تستطيع رفض أية محاولة في هذا الاتجاه، والتجربة الشعبية المصرية مع التطبيع، خير دليل على أن الشعوب لديها دائما خيارات اكبر من النظم.