قبل عقود عدة أطلق طه حسين قولته الشهيرة: «لا ينبغي أن ننتظر تعليما صحيحا منتجا من جامعة لا يتمتع رجالها بالاستقلال والحرية»، وقبل أسابيع قليلة أوجعنا أساتذة مصريون بعبارة مفعمة بالمرارة تضمنها بيان احتجاجي لهم قالوا فيه: «الجامعات المصرية محتلة من قبل وزارة الداخلية، وجهودنا ستتواصل لتحريرها»، وما بين قول طه حسين وما تضمنه البيان شواهد لا تنتهي من إهدار استقلال الجامعات، ليس في مصر وحدها بل في كثير من الدول العربية.

فالعشرات من جامعاتنا لم تنج من حالة التمويت السياسي المنظم التي تعيشها أغلب البلدان العربية، بل إن هذه الجامعات كانت في قلب المؤسسات المستهدفة لعملية مدبرة رمت إلى إخراج قوى اجتماعية مدنية عدة من متن الفاعلية إلى هامش عريض من الصمت والفراغ، لتزداد وطأة الركود السياسي، بمختلف أشكاله، من السلبية وغياب المشاركة، والاستسلام للأمر الواقع واللامبالاة، والميل إلى الحلول الفردية، والرضا بما تجود به السلطة، مهما كان قليلا،

وحتى لو كانت طريقة منحه مهينة للكرامة الإنسانية، ولحقوق المواطنة.والجامعات التي كانت في بعض البلدان العربية معملا لتفريخ الطاقات الفكرية والسياسية للعرب، تحولت إلى مجرد مدارس أولية لحشو الذاكرة بمعلومات ناقصة، كثير منها يذوب على أرض الواقع، ولا يصمد أمام مطالب حياة معقدة، لأنه يفتقد إلى روح المشاركة، ولا يعي في مجمله المثل الصيني المعبر الذي يقول «أخبرني سأنسى. أرني فقد أتذكر. أشركني سأعي وأفهم».

وغياب التفاعل بين الطالب والأستاذ، والذي يغذي قيمة المشاركة ويعزز القدرة على التعامل مع مسار الحياة خارج أسوار الجامعة، يعود بالأساس إلى توحش الوطأة الأمنية، التي حدد لها قانون تنظيم الجامعات في مصر مثلا حماية المباني، فامتدت يدها إلى مصادرة المعاني، وفي مقدمتها المعنى السياسي، بشتى تجلياته وأبعاده.

وترتيب يوميات بعض الجامعات العربية يدل بجلاء على قوة قبضة الأمن التي تمسك بكثير من زمام الأمور داخل الجامعات، وتدس أنفها في تفاصيل كثيرة، دون سند من قانون، وفي تدمير منهجي لأحد الأدوار المهمة التي تمارسها الجامعات في مختلف أنحاء العالم. فالأمن في بعض الجامعات يتدخل في تعيين أعضاء هيئات التدريس بدءا من المعيدين وانتهاء برؤساء الجامعات،

ويحد من حرية الحياة الأكاديمية، بتضييقه الخناق على أساتذة بعينهم يطلقون أفكارا لا تروق للأنظمة الحاكمة، واشتراطه أن يطلع على أي اتفاقيات علمية أو أبحاث مشتركة مع جامعات أو جهات أجنبية، أو أي محاضر زائر من الخارج، بل يتدخل أحيانا في وضع المناهج الدراسية وتوزيع المحاضرات. ويتطور هذا التدخل إلى حد الاعتداء البدني على أساتذة واعتقالهم.

وكل هذا يشهد بأن تمويت السياسة في جامعات العرب لم يقتصر على الحركة الطلابية، إنما امتد إلى الأساتذة. وسلاح السلطة في هذا جهاز أمن، لا يقدر أن الجامعات المتحفظ عليها، والموضوعة رهن الإقامة الجبرية، والمحبوسة على ذمة الإبعاد عن ممارسة السياسة ومشتقاتها، لا يمكنها أن تؤدي واجبها على أي نحو. والخاسر الأكبر في هذا هو مستقبل الوضع السياسي العربي، المرهون هو الآخر لحساب حاضر تعيس.

كما أن تقديم «الأمني» على «العلمي» في عمل الكثير من الجامعات العربية، وإعلاء «الولاء» للنظام على مبدأ «الاستحقاق والجدارة» أو تقديم أهل الثقة على أهل الخبرة والدراية أدى إلى تدهور مستوى التعليم الجامعي في العالم العربي، حتى أن آخر تقرير يشمل أفضل خمسمائة جامعة في العالم خلا من أي جامعة عربية، بينما شمل جامعات في أفريقيا وآسيا، كثير منها أحدث من جامعات عربية في مصر والمغرب وسوريا ولبنان.

وأمام هذا الوضع المخزي يهاجر أصحاب العقول المتميزة إلى الخارج بحثا عن الجدوى والكرامة. وبالطبع فإن بعض أعضاء هيئات التدريس لا يقابلون سطوة الأمن على الجامعات بترحاب أو سكوت، إنما يناهضونها بطرق عدة، لكن حركتهم تفتقد حتى الآن إلى قوة دفع وإلى حشد يكافئ ما يتعرضون له من انتهاكات،

وما يقاسونه من تدخلات أمنية سافرة، حولت بعض الجامعات إلى سجن كبير. وهؤلاء الأساتذة لا يختلفون في ضعفهم هذا عن قطاعات أخرى من النخب العربية، لا تزال عاجزة عن تحقيق انتصارات ساحقة في معاركها المهنية الصغيرة، ولا في المعركة الأكبر، التي ترمي إلى إصلاح ما فسد، وإطلاق ما تعطل، من حياة سياسية سليمة البنيان.

مدير مركز بحوث ودراسات الشرق الأوسط مصر