خرجت القمة العالمية الألفية بوثيقة تتكون من خمسين صفحة قسمت الى سبعة فصول، التنمية، الإرهاب، التسلح، حقوق الإنسان، إصلاح الأمم المتحدة، لجنة إقرار السلام، ومسؤولية الحماية، وقد تبنى الاجتماع الرفيع أو «القمة» هذه الوثيقة بعد مناقشات ساخنة ومداخلات صدامية تميزت بالتوتر وتبادل الاتهامات، ونجحت في تمييع الوثيقة وتحويلها إلى مشروع مرئيات وتوصيات.
بسبب الخلافات الحادة في التعليقات والمواقف والقناعات بين الدول النامية والدول المتقدمة، وأيضاً بسبب الخلافات فيما بين الدول المتقدمة بما فيها روسيا.ومن المناسب ان نلقي بعض الأضواء على مواقف الدول العربية تجاه الموضوعات المهمة التي جاءت في الوثيقة النهائية..
ولابد من الإشارة في صدر هذا المقال الى الممارسات التقليدية التي اعتادت عليها الدول العربية في الأمم المتحدة والتي لم تتبدل رغم التطورات والمستجدات العالمية، وأبرز هذه الممارسات التقليدية هي اللجوء المستمر الى مجلس الأمن لطلب مناقشات بسبب شكاوى يقدمها وفد منظمة التحرير سابقاً، أو السلطة الفلسطينية الآن، أو تأتي من الحكومة اللبنانية لمسببات داخلية تجد في مناقشات مجلس الأمن تغطية سياسية وإعلامية للعجز المستديم الذي تعاني منه هذه الجهات.
ويتعاظم الإحباط مع العجز عن استخراج قرار من مجلس الأمن يفي بالمطالب السياسية لهذه الأطراف، وتمتليء ملفات مجلس الأمن بالخطب والمداخلات حول قضية الشرق الأوسط من المنظمة ومن دول أخرى تعاني من المشكلة. وغالباً ما تنتهي هذه الخطب دون قرار رغم ارتفاع سطح التوقعات والمطالب، ويعود السبب إلى اكتفاء الطرف الشاكي بالمداولات في مجلس الأمن امتصاصاً لإحباط داخلي وعجز سياسي إقليمي لا يساعد في الحصول على القرار.
وأتصور أن السيناريو القديم عاد مرة أخرى، خلال المداولات حول وثائق القمة في الأسبوع الماضي، وهو السيناريو المأزوم دائماً بالخوف من الجديد، والشك من دول الغرب، وتغطية العجز السياسي الداخلي عن طريق توظيف الأمم المتحدة للاستهلاك المحلي وتلميع صورة النظام.
وإذا ما استبعدنا موضوع الإصلاحات المقترحة للأمم المتحدة وهي التي أجمعت القمة على تأجيلها لصعوبة التوصل إلى حل معقول، وكذلك بسبب اتساع الاجتهادات وبروز محاور متضاربة المصالح، نجد بأن المجموعة العربية لعبت دوراً سلبياً في القضايا الثلاث التي تتوجّس منها،
وهي: تعريف الإرهاب وإعادة تركيبة لجنة حقوق الإنسان، وتشكيل هيئة أولية لمعالجة الدولة المتشظية أو الدولة العاجزة، مثل حالة الصومال وبعض الدول الافريقية. وأود إبداء الملاحظات حول هذه القضايا المهمة التي تمنيت أن يتحقق فيها الانسجام بين المجموعة العربية وبقية الدول النامية لا سيما دول آسيا التي يتعالى دورها في الأمم المتحدة.
أولاً: يتضح من الجهد السخي السلبي الذي حرك الدول العربية لإجهاض المقترح الجديد حول هيئة حقوق الإنسان، مدى الخوف الذي يدب في الجسد العربي الرسمي من إعادة تشكيل لجنة حقوق الإنسان البائسة والتي يتم انتخابها من المجلس الاجتماعي والاقتصادي، وعادة ما تستولي الدول المارقة ودول الاستبداد على سير أعمالها، ورسم سير مداولاتها، وتقويض قراراتها..
شاهدت شخصياً اللجنة وفي عضويتها إيران والعراق وليبيا وسوريا وكوبا، بالإضافة إلى بلغاريا ورومانيا وغيرها خلال فترة عملي في الأمم المتحدة، ويمكن القول إن هذه اللجنة التي من مسؤولياتها النهوض بحقوق الإنسان تتحول بسهولة إلى مسرح كوميدي محزن عندما يتحدث الكوبي أو العراقي عن صفحة السلوك الإنساني، ويقدم دليلاً علمياً على الضوابط التي أصدرتها دولته لحماية كرامة المواطن..
شاهدت صراعات في هذه اللجنة المضحكة بين الكوبي «المنرفز» والأميركي الذي يقوم بدور المدعي العام، وبين العراق وإيران أيام صدام حسين، وبين سوريا إسرائيل، ولنترك ليبيا مؤقتاً..في لقاء مطول أجرته صحيفة «الشرق الأوسط» مع مراسلة الصحيفة في نيويورك «غيداء فخري» وهي من النوع المميز، مع وزير خارجية مصر «أحمد أبو الغيط» الذي أعرفه منذ أيام الأمم المتحدة، وفي رده عندما سألته عن مسببات الإخفاقات، يقول: «فكرة المجلس حول حقوق الإنسان مؤشر لإعطاء حقوق الإنسان اهتماماً خاصاً،
وإنشاء مجلس خاص بالموضوع يرفع من اهتمام الدول، ولكن من الواضح أن هناك تحسباً ورغبة في أن يتم تشكيله وإعطاؤه صلاحيته وتحديد وضعيته في إطار الأمم المتحدة بشكل يحقق التوازن بين الدول النامية من ناحية والدول الصناعية من ناحية أخرى، التي دفعت بهذه الفكرة،
وألا تستخدم أو يتاح للدول الغربية استخدام مسألة حقوق الإنسان بعد تسييسها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول» لذلك تريد الدول العربية ومعها بعض الدول النامية مواصلة الدراسة والبحث مع إعطاء الموضوع موافقة فاترة من حيث المبدأ. وأتصور أن الذين ركبوا عربة الإجهاض هم الذين يخافون النور ويتحسسون من الحديث عن حقوق المواطنة في دولهم.
وعندما تقف أميركا اللاتينية ودول الكاريبي ومعظم آسيا باستثناء بعض الخائفين مثل فنزويلا وكوبا وفيتنام وإيران مع الدول العربية، يثير هذا الانفصام العربي عن التوجه العام تساؤلات حول من يتحمل المسؤولية في وضع العرب في خصام مع معظم أعضاء الأسرة الدولية، ونحن نعرف بأن الذين وضعوا إفساد الفكرة في أولوياتهم هم ممثلو العواصم العربية المملوءة معتقلاتها بسجناء الرأي.
وأعتقد أن دول مجلس التعاون التي تنادي بالشفافية سايرت الآخرين كعادتها في الالتزام بدبلوماسية «الأدب الجم»، وهي الدبلوماسية التي تعطي للآخرين فوق ما يستحقون، وتحرم دول الخليج مما تستحق. منذ يومين أعلن الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية بأن المملكة توافق على عودة السفراء مع ليبيا،
لأن العلاقات لم تنقطع معها، ومرة أخرى نقول إن دبلوماسية الأدب الجم طغت على حسابات الدولة.أتذكر بأنني سعيت لترشيح الكويت لعضوية لجنة حقوق الإنسان في آخر السبعينات، وعندما شاهدت تشكيلة المسرح المضحك في تلك اللجنة، شعرت بأن الكويت تستحق مكاناً آخر.
ثانياً: وفيما يتعلق باقتراح تشكيل هيئة بناء السلام أو لجنة مساعدة الدول المتآكلة وإعادة تأهيلها، وهو موضوع حيوي غير مسبوق يقصد منه حماية الأمن الداخلي في الدولة المنهارة مثل حالة الصومال أو بروندي التي تتسع فيها عمليات الإبادة والقتل الجماعي العرقي والتفكيك الديني والطائفي، وتأثير ذلك على دول الجوار، وعلى الأمن والسلام العالميين.. وهنا تتحرك المجموعة العربية مدعومة بعدد أكبر من الدول النامية للقضاء على الفكرة، ووأدها في المهد.
وقد جاءت هذه الفكرة من تجارب طويلة ذاقت خلالها بعض الشعوب نهج الإبادة من حكوماتها.. لنتذكر نظام صدام حسين، ونظام صربيا مع المسلمين وفي كوسوفو، ونتذكر بروندي مع قبائل الهوتي، وكمبوديا مع بول بوت، وليس المقصود هنا مجرد الإبادة الداخلية وإنما أيضاً عجز الدول عن التناغم مع التطورات والتحولات العالمية،
ورفضها تطبيق قواعد السلوك الدولي المتفق عليها حول حقوق الإنسان وحريته واحترام المواطنة، وانفتاح المجتمع المدني إلى آخر القائمة السلبية التي تفرزها دول الأيديولوجيا. وهنا نشير إلى احتمالات الانفجار في الدول المتخشبة في دبلوماسيتها ونسميها الدولة العصية، التي تريد الانفتاح وتسعى إليه لكنها تهاب المجهول ولا ترتاح للائحة السلوك المعتمدة بين الأمم، وهي حبيسة الأيديولوجيا.
ويمكن الحديث أيضاً في مجال هيئة بناء السلام عن الدول المتأزمة، مثل الحالة اللبنانية، حيث تستند الهيكلة السياسية في لبنان على توافق الطوائف والولاء للطائفة، وطغيانها في المتانة على مفهوم المواطنة، ولذلك يجد لبنان نفسه في توتر سياسي وطائفي دائم، نرى عجزه في تنفيذ القرار 425 في إرسال الجيش إلى الجنوب، وعجزه في التعامل مع حزب الله المسلح والمتحكم في الجنوب،
وعجزه في تلبية شروط القرارين 1559 و1595 في نزع سلاح المقاومة، ومشكلة الحالة اللبنانية ليست محصورة في الإطار اللبناني وإنما اسقاطاتها تؤثر في الأمن الإقليمي، كما هي الحال مع حزب الله ومنطقة شبعا التي تقول الأمم المتحدة بأنها سورية وان إسرائيل انسحبت من الأراضي اللبنانية، ويرد حزب الله بالإصرار على المقاومة.
هذه حالة ليست عادية مثلما نرى في بلد تتمتع فيه الحكومة بحرية التصرف، وإنما هي حالة متأزمة فرضت نفسها على الأمم المتحدة في العقود الثلاثة الماضية.. لذلك جاءت فكرة إقامة لجنة السلام بعد تجارب الأمم المتحدة مع القارات وتحملها العبء الأكبر في عمليات حفظ السلام.
ثالثاً: نتحدث أيضاً باختصار عن الموقف العربي في تعريف الإرهاب الذي أخذ جدلاً طويلاً، وتريد المجموعة العربية ان يتم التعريف في إطار اللجنة القانونية التابعة للأمم المتحدة، وليس من قبل القمة الألفية، لأن اللجنة القانونية تسمح لكل الوفود بالجدل والاختلاف مع التوجه العام بحماية الأبرياء والمدنيين،
لكن المشكلة في العالم العربي تكمن في دعم الجميع لخريطة الطريق بما فيها السلطة الفلسطينية التي تدعو إلى تحقيق الأهداف بالوسائل السلمية، وتعتبر الأمم المتحدة التنظيمات مثل حماس والجهاد عقبة لابد من التعامل معها، بنزع سلاحها أو انضمامها إلى الممارسة السياسية أو عزلها والتضييق عليها ووقف الدعم السياسي والمالي واللوجستيكي عنها.
وكالعادة لم تحسم الدول العربية الموقف بوضوح وحزم، وعملت بقوة خلال اجتماعات الأمم المتحدة على تأجيل المواجهة الحقيقية التي ستواجه الجميع بضرورة اتخاذ القرار الواضح الذي يريده العالم. تضيع القضايا في ممرات الأمم المتحدة دائماً بسبب الاختراعات اللغوية مثل توصيف الإرهاب وليس تعريفه واللغو بين إرهاب المنظمات وإرهاب الدولة.
ومع ذلك ورغم التحفظات نجحت القمة الألفية في التعامل الجدي مع مشاكل العالم ولأول مرة تتحدث القمة عن الإبادة والتخشب والأيديولوجيات والدولة الموبوءة والمأزومة والمتآكلة.. وضرورة التدخل لعلاجها، وهي بداية صحوة ما كانت تتحقق أيام الحرب الباردة.
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت