يبدو ان ادارات المؤسسات العربية الحكومية تعاني حاليا من مأزق يتمثل في عدم انسجام شخصية الانسان العربي ومفاهيمه وقيمه والتراكم المعرفي لديه مع ماتتطلبه المفاهيم والقيم الادارية الحالية المتطورة من انتاجية ومسؤولية ومساءلة ولامركزية وجدارة وأجر على قدر العمل المبذول وغيرها.
وتؤثر هذه المفاهيم بشكل مباشر في العديد من الامور المتعلقة بالمؤسسات كهيكلها التنظيمي، ونظام الرواتب، وسياسات الموارد البشرية، واستراتيجية السوق، والعلاقة مع المستهلك والسلوك التنظيمي ببعديه الفردي والجماعي.ومن أبرز الأمثلة على تضارب مفاهيم الإنسان العربي مع مفاهيم الإدارة الحديثة هو التعامل مع عامل الوقت.
فهناك اهدار غير محدود للوقت في حياة العربي بدون مساءلة في حين ان المفاهيم الأساسية للإدارة ترتكز على استثمار الوقت بأقصى قدر ممكن مع استثمار الطاقات والامكانات بأقل التكاليف.كلمة «ان شاء الله» رغم معناها السامي، يستخدمها البعض ليترك انطباعاً بأنها تعني ان الشيء المتفق عليه قد يحدث وقد لا يحدث وان حدث فليس بالضرورة أن يكون في الموعد المطلوب.
دار الحوار التالي بين شخصين من الجنسية الأوروبية سبق احدهما الآخر إلى مقر عمل الشركة هنا في دبي. قال الضيف الجديد لزميله : هل نلتقي غدا العاشرة صباحا؟س رد عليه زميله وهو يضحك ومتفاخرا بأنه التقط بعض الألفاظ العربية وأتقن استعمالها: «ان شاء الله». سألته: ولماذا تضحك؟ فأجاب لأن زميلي سيعرف بعد مدة وجيزة هنا ان «ان شاء الله» هي أكثر الكلمات استخداما وأكثرها دلالة على عدم التزام الشخص بكلمته!!
المجاملات الاجتماعية موجودة بكل أبعادها في الثقافة التربوية العربية وقد تتطور عند البعض لتتحول إلى «نفاق» ومحسوبيات لا تجعل هناك مساحة للشفافية والجرأة في تحمل المسؤولية. يتحول تركيز الأشخاص وهمهم داخل المؤسسات إلى ارضاء القيادات وابداء الولاء والطاعة أكثر منه إلى الالتفات إلى اثبات الذات من خلال العمل والتفوق فيه.
تصير درجة القرب أو البعد عن الرموز الإدارية هي المعيار والمحك للترقي والتقييم وليست الانتاجية أو الكفاءة والخبرة. ومن هنا فان قضية تصنيف الوظائف وتقييمها وتحديد الأجور مرتكزة على اعتبارات شخصية لاعلاقة لها بمبدأ الأجر مقابل العمل وهذا في حد ذاته نسف مباشر لأبسط مفاهيم الإدارة الحديثة.
التسلط وممارسة النفوذ متجذر في الثقافة العربية وتركيبة المجتمع ويتحول داخل المؤسسات الى كارثة واستفزاز ورفض للحوار والاستبداد بالرأي ويباعد المسافة بين الرئيس والمرؤوس وحتى بين الإدارات المختلفة والتي تجعل كل إدارة واقعة تحت تسلط الإدارة الأعلى منها. وهذا ينعكس مباشرة على أسلوب الإدارة الذي يتسم بالاستبداد في الرأي والتحكم بالقرار.
تعامل الذكر مع الأنثى في المحيط الاجتماعي العربي له أكثر من اشكالية ويفرز العديد من المعوقات للطرفين معا. فمعظم النساء في المؤسسات يناضلن على أكثر من صعيد وتتضاعف محاولاتهن لاثبات الذات والحضور في محيط ذكوري يقدر جهد الرجل بصورة أكبر حتى لو كان عطاؤه متواضعاً.
وقد يتحول عمل المرأة إلى صراع على أكثر من جبهة ولا تكون العزيمة والاصرار على النجاح كافيين لتحقيق طموحها. وفي مفهوم الإدارة الحديثة فان تقييم الانتاج يحكمه نوعية الانتاج وأفضليته وليس جنس من انتجه وهذا يعد انتهاكا صارخا لمبدأ الجدارة.
لا يرتكز الإنسان العربي كثيرا في حياته على التخطيط والرسم للمستقبل فقد اعتاد الانتظار والتحرك ساعة وقوع الأمور وليس قبلها. قلما يكون هناك تخطيط ووضع للأمور حسب أولوياتها وكثيرا ما ينقضي الوقت في أمور ملحة ولكن ليست ضرورية أو مهمة. الإدارة الناجحة اليوم عمادها التخطيط ووضع الاستراتيجيات عن طريق تحديد المهام والأهداف والسبل والسياسات.
أين نحن الآن والى أين نحن ذاهبون وكيف سنصل الى هناك ومتى كلها صارت أسئلة ملحة وأساسية لأي تخطيط استراتيجي. اذن هل نحن أمام معضلة حقيقية مفادها ان التغيير نحو المفاهيم والقيم الإدارية المتطورة لن يتأتى إلا من خلال تغيير جذري لمفاهيمنا وثقافتنا طالما ان السلوك داخل المؤسسات ما هو إلا جزء من نسيج ثقافة مجتمعية سائدة؟أتصور ان جانباً كبيراً من التغيير الذي يدخل على المؤسسات الحكومية اليوم هو متطلب تفرضه تحديات العصر الحالي.
البحث عن إدارات أكثر كفاءة وفاعلية وانتاجية لم يعد مجرد خيار بقدر ما هو ضرورة. وفي أغلب الأحيان فان السائد اليوم من مفاهيم وقيم وأنماط مرفوضة في عالمنا العربي هي في الأساس سلوكيات خاطئة وفهم مغلوط للقيم الامر الذي أفرز تخلفا إداريا وثقافة في المؤسسات تتناقض مع ضرورات الإدارة الكفء، الأمر الذي يحتم على الإدارات الحديثة التخلص من ثقافات معرقلة وسلوكيات قد تقود المؤسسات الى الهلاك.
اليابان أتت باستراتيجية إدارية فذة من خلال دمج التقنية الغربية مع بيئتها المحلية. بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بنقل التقنية واستقدام الخبرات وترجمة كل ما وقعت عليه يديها من كتب في الإدارة إلى اللغة اليابانية ويقال انها ترجمت جميع كتابات رائد الإدارة العلمية فردريك تايلور وقامت بتطبيق مفاهيمه وأفكاره في الإدارة والانتاجية خلال فترة الاحتلال الأميركي عام 1945 .
بل أنها جلبت إليها مفكرين في الإدارة من الولايات المتحدة ـ لم تستفد منهم اميركا نفسها ـ وأبقتهم لديها عشرات السنين مستفيدة من أبحاثهم في الانتاجية والجودة.الا ان اليابان كانت من الذكاء بمكان بحيث انها اشترطت في كل عقودها مع أميركا بعد الحرب العالمية الثانية والتي سميت «بعقود نقل التقنية» أن يتكفل كل خبير أميركي يأتي إلى اليابان بتدريب ثلاثة يابانيين يلازمونه كظلة ويقرأون أفكاره ومذكراته ورسوماته.
تمكن اليابانيون في حينها من استحواذ التقنية بشكل ناجح وبنوا قدراتهم الذاتية لامتلاكها.تغيير الثقافات داخل المنظمات ليس بالامر المستحيل الا انه من الأمور الصعبة والشائكة. وهناك العديد من الأمثلة لمؤسسات قلبت تاريخها ومستقبلها من مؤسسات فاشلة وغير منتجة إلى أخرى منافسة ولها حضورها في الأسواق وكان تغيير ثقافة العاملين بها احد الركائز التي اعتمدت عليها من اجل النجاح.
تحدد بعض الدراسات ان الوقت الذي يتطلبه مثل هذا التغيير يتراوح بين عام إلى ستة أعوام مع الكثير من الصبر والانتظار والدعم على ان تبدأ الخطوة الأولى من الاتصال وتبادل الأفكار مع العاملين في المؤسسة وعلى ان يبدأ التغيير تدريجيا وجزئيا.
Heyamm@albayan.ae
مديرة إدارة التطوير والمتابعة ـ «البيان»