ما صدر من تلميحات إسرائيلية الأسبوع الماضي عن احتمال «إعادة» غزة إلى مصر والضفة إلى الأردن هو عملياً ليس تهديداً للسلطة الفلسطينية بل تحصيل حاصل لخطة أرييل شارون للانفصال عن الفلسطينيين وتصدير القضية الفلسطينية إلى دول الجوار وتبرئة ذمة إسرائيل من نتائج احتلالها للأرض الفلسطينية.

فالخطة الأصلية لشارون تتلخص في ذلك منذ البدء للالتفاف على خريطة الطريق وليس لتطبيقها. وسبق وأن أشرت في مقالات سابقة في «البيان» إلى خطورة خطة شارون هذه لأنها وضعت أساساً لنسف خريطة الطريق. منذ ما قبل غزو لبنان عام 1982 وشارون يتحدث عن الوطن البديل أي أن الدولة الفلسطينية قائمة فعلاً شرق الأردن وأن ذلك يتطلب مجرد تغيير النظام في الأردن. وكان شارون يروج لإمكانية طرد سكان الضفة شرقاً في إطار أية حرب إقليمية.

وظل شارون يعمل لهذه الفكرة سواء كان في الحكم وزيراً أو في المعارضة، وهو الذي دعم الاستيطان من موقعه الرسمي حيث كان، وهو من أطلق حملة احتلال التلال بعد اتفاق واي ريفير إبان حكم بنيامين نتانياهو وكان هدفه خلق واقع على الأرض يحول دون قيام دولة فلسطينية، ويجاهر بالقول إنه سيجلب مليون مهاجر يهودي ويطرد مليون عربي فلسطيني.

لكنه منذ تسلمه رئاسة الحكومة لم يعد يتحدث عن طرد مليون فلسطيني بل عن جلب مليون مهاجر يهودي وهذا يعني ضمناً طرد مليون في موازاتهم ولعل التعاطي الدولي والعربي ثم الفلسطيني مع خطة شارون للانفصال عن الفلسطينيين بحجة عدم وجود شريك فلسطيني مفاوض أدى إلى الوضع الحالي وسمح لشارون أن يواصل تطبيق خطته وسط ترحيب دولي وعربي مع أن أساس خطته لجم تنفيذ خريطة الطريق ومنع قيام دولة فلسطينية.

وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات رفض التعاطي مع خطة الانسحاب الإسرائيلي من غزة قائلاً: «إذا كان يريد الانسحاب فلينسحب هو في حد حايشه؟». وكان عرفات يدرك أبعاد تجزئة القضية الفلسطينية وتصدير غزة ومشكلاتها إلى مصر وصولاً إلى تصدير الضفة ومشكلاتها إلى الأردن، ولهذا رفض التعاطي معها.

ولعل الرئيس أبومازن عندما تعاطى مع الانسحاب من غزة، وضع في تصوُّره أن المجتمع الدولي سيساعد في تحويل الانسحاب إلى خطوة أولية على طريق تنفيذ خريطة الطريق، لكن الواقع حتى الآن أثبت العكس، وأن المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة واللجنة الرباعية،

تعرّضت للخداع الإسرائيلي باعتبار أنها لا تريد أو غير قادرة على ممارسة أي ضغوط على إسرائيل وسلمت لشارون بما يريد، وصدرت تصريحات فلسطينية كثيرة قبل شهور تنتقد اللامبالاة الأميركية والدولية في مساعدة الفلسطينيين على مواجهة الخطوة الإسرائيلية الأحادية الجانب.

وقد سقط الفلسطينيون في الفخ الإسرائيلي عندما نسّقوا مع الإسرائيليين لتسهيل الانسحاب وظنّوا أنهم قادرون على انتزاع ترتيبات معيّنة بشأن المعابر والحدود، لكن كل ما تم بحثه بشأن ذلك قام شارون بتنحيته جانباً في اللحظة الأخيرة وترك قطاع غزة سجناً مغلقاً بلا معابر حرة ولا سيادة على الحدود البرية والجوية والبحرية.

وانتقل فوراً إلى الاستعداد لفرض الانفصال في الضفة وتقسيمها إلى كانتونات منعزلة غير مترابطة جغرافياً وفقاً لخطته، وترك الفلسطينيين محاصرين في المدن والقرى، أي في المنطقة المسماة «أ» الخاضعة للسلطة وهي تمثل قرابة أربعين في المئة من مساحة الضفة. أما ما تبقى من الضفة فهو سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية كاحتياطي استيطاني بعيد المدى.

ولهذا يمكن القول إن التهديدات التي أطلقها مكتب شارون حول إعادة الضفة للأردن وغزة لمصر ليس تهديداً مستقبلياً، بل هو واقع يجري تنفيذه وفقاً لخطة شارون التي طرحها قبل سنوات، أي تصدير القضية الفلسطينية إلى الدول العربية وإظهار إسرائيل بأنها غير ملتزمة قانونياً بأية التزامات تجاه الفلسطينيين.

إنه عملياً يطبق قول الشاعر محمود درويش «وأسلمنا الغزاة إلى أهالينا» فيما سيحدث لاحقاً هو تصفية القضية الفلسطينية بتفكيكها جغرافياً وسكانياً، باستغلال الوضع الدولي المناسب والوهن العربي الذي تجلى في هرولة غير مسبوقة نحو التطبيع والاتصال بالإسرائيليين، وهي هرولة تؤذي الفلسطينيين سياسياً وتزيدهم وهناً على وهن.وحتى الآن لم تثبت السلطة الفلسطينية قدرة على العمل لكبح مظاهر الفوضى والوهن داخلياً.

وتؤكد الفصائل يومياً أنها غير معنية بتصليب الموقف الفلسطيني وتؤكد طريقة الرئيس أبومازن وحكومته أنها تفتقر إلى الرجال القادرين على العمل، وأن الكثيرين نزلوا عن الجبل لحصد الغنائم في غزة، وأن موضوع الدفيئات الزراعية في غزة غطى على مشاريع الاستيطان الجديدة في الضفة وعلى تحول غزة إلى سجن مازال مفتاحه بيد الاحتلال. ولهذا حذرنا من هذا الوضع المأساوي وقلنا مع تحويل طفيف لقول الشاعر درويش «وطني ليس دفيئة وأنا لست طماطم».

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين