أصدر مجلس الأمن بإجماع أعضائه الـ 15، وبمشهد من قادة 160 دولة حضروا (قمة العالم بنيويورك) القرار التاريخي رقم (1624) بمنع التحريض على الإرهاب. ويدعو القرار جميع أعضاء الأمم المتحدة الـ (191) إلى اعتماد قوانين وطنية تحظر أعمال التحريض وتحرّم من الملاذ الآمن جميع الإرهابيين ومن يشتبه في تحريضه على الإرهاب.

وقد استنكر المجلس بأشد العبارات التحريض، وأدان تبرير أو تمجيد الأعمال الإرهابية، ودعا إلى اتخاذ خطوات وإجراءات عملية لمنع التحريض في مجالات التعليم والثقافة والمؤسسات الدينية، كما دعا المجلس جميع الدول إلى تقديم تقارير إلى لجنة مكافحة الإرهاب عن التدابير التي تتخذها من أجل تنفيذ القرار. ويعتبر هذا القرار الخامس الذي يعتمده مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب منذ هجمات سبتمبر ـ الشرق الأوسط 15/9 ـ.

يأتي هذا الإنجاز التاريخي، ليساند جهود طائفة من المثقفين العرب، لطالما نادوا وطالبوا حكوماتهم بتجريم التحريض، ومحاكمة المحرضين، ومراقبة منابر بيوت الله التي حولها بعض الخطباء إلى منابر للتحريض، وانتهكوا قدسيتها بترويج أجندة سياسية وأيديولوجية متعصبة، وكذلك ضبط الأموال الخيرية، وترشيد الطرح الإعلامي لفضائيات أصبحت بوقاً للمحرضين والمبررين.

ولعل من أبرز تلك الجهود «بيان الليبراليين العرب» الذي وقّعه 4 آلاف مثقف عربي، ورفعه معدوه (العفيف الأخضر، شاكر النابلسي، جواد هاشم) للأمم المتحدة ـ فبراير 2005 ـ وأحيل إلى مجلس الأمن ـ يوليو 2005 ـ وقد جاء فيه: «نحن المثقفين العرب والمسلمين الديمقراطيين والمسالمين الليبراليين الموقّعين على هذه العريضة، نودّ أن نلفت انتباهكم ـ وأنتم تضعون التوصيات اللازمة لتنفيذ قراركم رقم «1566» ـ إلى مصدر خطير للإرهاب،

هذا المصدر الخطير هو «الفتاوى المحرِّضة» على جريمة الإرهاب، وما زالت تصدر عن مجموعة من المتزمتين. فلا يكفي إصدار قرارات تدين الإرهاب، بل إن الحكمة تقتضي إنشاء محكمة دولية من قبل الأمم المتحدة لمحاكمة الإرهابيين وفقهاء الإرهاب الذين يقدمون للإرهابيين فتاوى دينية تشجعهم على الإرهاب ـ جميع الإرهابيين ماتوا أو سيموتون، بفضل مثل هذه الفتاوى، وضمائرهم مرتاحة وقناعاتهم راسخة، لأنهم سيدخلون الجنة. (شاكر النابلسي ـ «السياسة» 918).

وجدير بالذكر أن البيان تضمّن قائمة طويلة بأسماء فقهاء التحريض في العالم العربي. وقد أفاد المستشار القانوني لمساعد الأمين العام أنه تم توزيع نسخ من البيان على كل أعضاء مجلس الأمن كخطوة لمتابعة القرار «1373» بمحاربة الإرهاب. لقد نبّه مثقفون عرب عديدون إلى خطورة التحريض عبر المنابر أو الفضائيات والصحف على مستقبل شبابنا، لأن «الفكر» الإرهابي لكي يحيا وينتشر ويتمكّن من نفوس أبنائنا ويكسب جنداً جدداً ومدداً مستمراً، بحاجة إلى وقود محرّك هو «التحريض»

وقد تكفّل به جيش عريض من المحرّضين (صحافيين وكتّاباً ومنظّرين ومشايخ دين) هذا أولاً، ولأنه ـ ثانياً ـ لا يتحوّل «الفكر» الإرهابي إلى «عمل» إرهابي إلا في «مناخ» يمجّد الإرهاب ويحرِّض عليه ويبرّره. إذ لا يكفي أن تكون «متعصباً» أو «كارهاً» أو «مكفراً» أو حتى «مخوِّناً» للآخر، لكي تقتله، لا بد من قوة غلاّبة تتملَّك ضميرك وعقلك فتميت فيهما كل الأحاسيس الإنسانية وكل المشاعر الحسنة وتدفعك دفعاً وتنشِّط غريزة الموت لديك،

بل وتغيِّبك عن الوجود حتى لا يُصبح لأي شيء في الحياة قيمة حينئذ يسهل عليك أن تفجّر نفسك فيمن تكرهه.ان تلك القوة هي «التحريض» لا غير. هذا ما أكدته اعترافات عديدة لشباب غرر بهم، ـ أحمد الشايع ـ أحدهم، وهو شاب سعودي، نشأ في أسرة سعودية عادية ولكن لسوء حظه أن تلقفه أحد المشايخ ليزيّن له الذهاب للعراق، لنصرة المجاهدين، يقول أحمد عبر قناة ـ المجد ـ ان الشيخ حرّضه، والقنوات الفضائية التي ركزّت على اعتداءات الأميركيين في العراق ملأت نفسه كراهية،

فتسلل للعراق متوقعاً أن يجد الحرب، صفين متقابلين، صفاً« من الأميركيين يقابله صف من المسلمين المجاهدين أشبه بغزوة بدر ولكنه وجدها «حرب عصابات» أخذوا ماله وجوازه وأعطوه بطاقة مزورة وظل شهراً يتنّقل من بيت لآخر ثم كلفوه بقيادة صهريج مليء بالوقود والمتفجرات ـ وهو لا يعلم ـ إلى منطقة معينة، لينفجر الصهريج ويسقط (9) قتلى عراقيين وينجو بأعجوبة بحروق وأطراف مقطوعة ـ استشهادي رغم أنفه، بدرية البشر، الشرق الأوسط 21/9.

وفي حديث للشرق الأوسط تحدّث قريب للحاسري ـ أحد المطلوبين على قائمة 36، وقد قتل في مواجهات الدمام ـ فاتهم مشايخ التحريض الذين حوّلوا مئات الشباب إلى حطب في معركتهم ضد الدولة والمجتمع بينما هم وأولادهم قاعدون بين الناس منعّمين ـ 9/9 ـ وقال ـ فهد الفهيقي وهو شاب سعودي استخدمه الزرقاوي في عملية انتحارية على الحدود الأردنية، إن الذي حرّضه واعظ من الرياض.

وكتب طارق الحميد بعنوان «كلهم مُخدرون» عن الشاب الذي أرغم على تفجير مسجد شيعي وقوله إنه كان مخدّراً وأكدّت الفحوصات ذلك، فقال (أبصم بالألف بأن كلامه صحيح، فكل الإرهابيين مخدرون، بالإعلام، بالمقالات وبالقصص المفبركة وبالصور المركبة والمنتقاة من زاوية تخدم الإرهابيين وبالخطب الدينية وبالوعود المعسولة.

ويتساءل مشاري الذايدي: ألا تكفي هذه النماذج حتى يكف إعلامنا عن إقامة حفلات التحريض والتهييج والتزوير في حكاية واقع الحال في العراق؟ألم يحن الوقت لاستشعار حس المسؤولية حتى لا يحترق أحمد آخر أو يقع فهد آخر في حفرة من الحفر؟! في تصوري أن الإعلام العربي لن يقلع عن التحريض وكتابنا لن يتوقفوا عن التبرير ومنابرنا الدينية لن تكف عن الدعاء على الأميركيين وبنصرة المجاهدين في العراق، لماذا؟! لأن العرب يعتقدون أن ما يحصل في العراق جهاد ومقاومة.

ترى متى كان الإرهابي يقبل نصيحة أو حواراً؟! يقول عبدالرحمن الراشد (في أغلب ما يمكن أن يرصد للحكومات العربية موقفها الذي يستثني الإرهاب في العراق من الشجب والتعزية، فهي تبرق منددة عندما يقع انفجار صغير في أي مكان، وتعزّي في زلزال أو فيضان في آخر العالم، بعض الحكومات العربية تعرف أنهم إرهابيون، وتشمئز مما يرتكبونه من جرائم بشعة،

لكنها لا تريد مواجهة التطرف الداخلي في بلدانها الذي يرّوج بأن ما يحدث في العراق مقاومة.الآن وقد صدر قرار مجلس الأمن المطالب بتشريع وإجراء لمنع التحريض فهل تستجيب الدول العربية فترشد إعلامها وتحجّم منابرها وتجرّم التحريض؟! نرجو ذلك حماية لمستقبل أبنائنا لا غير.

كاتب قطري