كانت التوقعات في محلها. شارون لم يرحل عن غزة من الداخل إلا ليحوّلها إلى سجن من الخارج. لم يغادر أرضها إلا ليتمادى في الانتقام منها وهو يحاصرها، من كل صوب، ويرجمها بقنابل حقده وكراهيته. فما ان غابت قوافل المستوطنين ولحق بهم جنود الاحتلال، حتى استدارت قواته شطر القطاع، لتضعه على مرمى نيرانها، من الجو والبحر والبر. حشد عند تخومها مدرعاته وأعطى وزير دفاعه الأوامر الصريحة «بالرد المدمِّر» على المناطق الفلسطينية.

سبق ذلك وواكبه استئنافه لسياسة اغتيال الكوادر الفلسطينية، على أرضية افتعال الذرائع، كي يبرر التصعيد والعدوان، ومن الملاحظ ان وتيرة هذا التصعيد ترتفع بقدر ما ترتفع حرارة المواجهة السياسية بينه وبين منافسه نتانياهو. هما يتباريان ويتسابقان على زعامة الليكود، والفلسطينيون يأكلون اللكمات واللطمات.

كلاهما يلجأ إلى المزايدة أن بإمكانه تشديد الخناق أكثر حول رقبة غزة، وحتى تكتمل مأساوية المشهد تتولّى الفوضى الفلسطينية، المنفلتة من عقالها، تسهيل مهمة الاحتلال فبدلاً من ان تواجه الساحة الفلسطينية، بصف واحد وبرنامج واحد، العدوان الإسرائيلي واستباحاته، انكفأت باتجاه الانشغال بصراعاتها وتثبيت مواقعها وبالتالي حجم نفوذها، فوق ساحة غزة!

وبدلاً من ان يكون رحيل الاحتلال عن القطاع حافزاً لتحصين هذا الأخير وأخذ زمام المبادرة لنقل مطاردة الاحتلال إلى الضفة، فإذا بالأرض التي تخلّصت من هذا العبء، الذي بقي جاثماً عليها نحو أربعة عقود، تصبح ميداناً للاستعراضات العسكرية والتمظهر بالسلاح، لإثبات الوجود فقط، ولم يقتصر ذلك أو ينضبط في حدود رد الفعل المفهوم والمشروع على اندحار الاحتلال، بل ان الفوضى المسلحة تمادت إلى حدّ ان الكلفة الفلسطينية بالأرواح كانت عالية.

ففي الأيام القليلة الماضية بلغت أكثر من عشرين قتيلاً، حسب المصادر الفلسطينية الرسمية وكأن ما يحصده العدوان الإسرائيلي اليومي من أهل غزة والضفة لا يكفي. يضاف إلى ذلك، وربما هذا هو الأخطر، أن هذه المناخات زادت من حدة التأزيم الذي يحكم علاقات الفصائل بالسلطة فازدادت الشكوك المتبادلة وحلّ الارتياب مكان الثقة، التي كان من الطبيعي ان تتعزز، في ضوء الوضع الجديد الذي بزغ فجره، قبل أسابيع، في غزة.

الآن، يقال إنه ابتداء من أمس الأحد لن تكون هناك استعراضات عسكرية ولا حمل سلاح علني في قطاع غزة المحرر. الأطراف كافة أعلنت التزامها بوقف هذا العبث. تطور واعد، إذا تحقق هذا الالتزام ولقي ترجمته على الأرض. لقد حان وقته. فلا شيء يخدم إسرائيل ويثلج صدرها أكثر من رؤية الوضع الفلسطيني يغرق في الفوضى والتيه. كفى ولابد من طي هذه الصفحة وإلى غير رجعة.