كيف نقرأ نتائج الانتخابات التشريعية الألمانية على خلفية الدعوة لانتخابات مبكّرة التي قام بها المستشار غيرهارد شرودر بغية الاستفتاء الشعبي حول خياراته الداخلية الاقتصادية الاجتماعية أساساً في ظل تزايد الانتقادات الموجهة لتلك الخيارات وعلى خلفية العنوان التغييري في السياسات الداخلية لأنغيلا ميركل زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي.
أولاً: النسبة العالية من المشاركة التي وصلت إلى 7,77 في المئة دلّت على اهتمام الناخب الألماني بطبيعة المعركة الانتخابية وبمصداقية الاختلاف في البرامج وبالتالي في الخيارات، والجدير بالذكر أن هذا الاختلاف في الخيارات أكبر بكثير مما هو عليه الحال على سبيل المثال في كل من فرنسا وبريطانيا.
ثانياً: رغم تلك المشاركة المرتفعة لم يحدث انقلاب سياسي فكري كبير نحو اليمين يطيح باليسار الديمقراطي الحاكم، كما لم يحدث انقلاب معاكس أو استباقي يحمي من خلاله المجتمع الألماني الخيارات التي يمثلها الائتلاف الحاكم. فالمجتمع الألماني ظل منقسماً ولم يحسم أمره بين الطرفين وهو ما أدى إلى عدم قدرة أي منهما من الحصول على نسبة عالية أو أكثرية مطلقة تحرّر يديه وتسمح له بفرض شروطه بشكل سهل وحيداً أو مع حزب قريب له عقائدياً وسياسياً لتشكيل حكومة جديدة والإقلاع ببرنامجه الأيديولوجي السياسي.
حصل تغيير ضمن الاستمرار دلّ على وجود نوع من توازن القوى بين الكتلتين أو الخيارين الرئيسيين في ألمانيا. فلا الدعوة إلى النيوليبرالية اكتسحت الموقف من جهة ولا الإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية لشرودر استطاعت أن تغطي كلياً وتستوعب درجة الاستياء الشعبي بسبب تكلفة تلك الإصلاحات من جهة أخرى.
وبدا النجاح الكبير نسبياً لـ «اليسار المتطرِّف» بزعامة أوسكار لافونتين ليؤكد سمة أساسية في السياسات الأوروبية وهي أن اليسار الديمقراطي التقليدي يتعرّض لهجوم حاد بسبب برامجه التسووية من أطراف وتجمعات أكثر راديكالية وتحظى بتعاطف في القوى الضعيفة اقتصادياً ويؤدي ذلك الوضع أحياناً إلى بروز انقسام ضمن الحزب الاشتراكي الرئيسي سرعان ما يتطوّر إلى خروج من الحزب أو سقوط ائتلاف كان قائماً بين طرفين يساريين. فهناك بروز لراديكالية سياسية ضد الديمقراطية الاجتماعية.
ثالثاً: رغم الاختلاف الكبير في السياسة الخارجية بين الطرفين: شرودر (الأوروبي) والشريك الفاعل في الثنائية الفرنسية ـ الألمانية التي تقود قاطرة الممانعة والمقاومة لسياسة اللحاق غير المشروط بالقوة الفائقة الأميركية، ضد ميركل «الأطلسية» بامتياز والتي هي أقرب إلى «أوروبا الجديدة» الأميركية في خياراتها وأولوياتها،
رغم ذلك الفرق الشاسع بين الطرفين في السياسة الخارجية، فإن هذه الأخيرة كانت ثانوية جداً بالنسبة للناخب الألماني الذي احتل الشأن الاقتصادي وفي آخر الحملة الانتخابية الشأن المتعلق بالسياسات المالية الأولوية المطلقة عنده في حسم موقفه.
رابعاً: بدأ السباق الشديد بين الطرفين الرئيسيين بسبب توازن القوى وغياب الحليف الصغير عند كل منهما الذي يستطيع أن يوفر الأكثرية ولو البسيطة لتشكيل حكومة ائتلاف بينهما. وإذا كان المنطق السياسي والحسابي يقول إن أسهل ائتلاف وأكثره قوة على صعيد التمثيل في البرلمان هو الذي يمكن أن يتشكل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الديمقراطي وقد حصل ذلك التحالف، تحالف الأسود ـ الأحمر، مرة واحدة في تاريخ ألمانيا بين 1966 ـ 1969،
لكن الصعوبة الأساسية أمام هذا التحالف تكمن في اختيار المستشار. شرودر يريد أن يستمر على رأس المستشارية وميركل تريد المستشارية لها شخصياً وقد يكون الحل في استبعاد الزعيمين وفي صيغة تداولية أو في تعيين نائب للمستشار. ولكن حكومة من هذا النوع كما دلّت تجربة الستينات ولو مع اختلاف الظروف قد تكون قادرة على إعادة إطلاق العجلة الاقتصادية ولكن من دون تحقيق إصلاحات مطلوبة وضرورية. ستقوم حكومة من هذا النوع على هدنة سياسية مبنية على تعايش هش وحاملة للجمود أكثر منه للتغيير.
خامساً: على الصعيد الخارجي والدولي يمكن القول إن الانشغال الألماني بقضايا الداخل أياً كانت طبيعة الائتلاف الذي سيحكم، سيكون مصدر قلق للأوروبيين لأنه سيخفف من الاهتمام الألماني بعملية البناء الأوروبي أو تحديد إعادة تحريك هذه العملية. وعلى صعيد آخر تلافت فرنسا وتحديداً الرئيس شيراك نتائج هزيمة كانت محتملة لحليفه شرودر وكانت ستضع فرنسا في موقف وحيد من دون الحليف الألماني القوي والموثوق ولو أن هذا الأخير قد ضعف إلا أنه لم يختف أو يخرج من اللعبة.
كما اجتازت عملية بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حاجزاً قوياً محتملاً يتمثل في رفض التكتل الذي تتزعمه ميركل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي واستبدال الانضمام بالشراكة المميزة. وأخيراً اجتاز العرب مخاطر حصول انتصار كبير لميركل كان سيؤدي إلى حدوث تغيير أساسي في السياسة الشرق أوسطية الألمانية لمصلحة إسرائيل على حساب السياسة الألمانية القائمة. الاهتمام الأوروبي والدولي بالانتخابات الألمانية يؤكد من جديد حقيقة جيواستراتيجية معروفة وهي مركزية ألمانية في أوروبا، وبالتالي في العالم.
كاتب لبناني