هل قاعدة «اتفقوا على أن لا يتفقوا» صيغة عربية، تحولت إلى حقيقة ثابتة حين أصبح المنزل، والشارع، والقبيلة، والقومية والمذهبية تتجزأ وتتصارع، وأن إرثاً تاريخياً جاءنا من الماضي البعيد لا يزال يقيم بيننا خيمة القبيلة، وحتى لو استبدلناها ببناء المدن والشوارع، ووسائل الحضارات الإنسانية، فإن العقل بات المشكلة المعقدة في مسيرة الإنسان العربي الذي عجز أن يتجاوز ذاته بالتضامن مع المواطن الآخر لنعبرقنطرة الشخصانية والفئوية إلى ما اصطلح عليه العالم بالوطن؟..
إسرائيل استطاعت من خلال تشكيلات قومية ومذهبية أن تؤلف دولتها ومن بنية الدين تواصلت الهجرات، وحتى الخلافات صارت تحسم بالقانون وظلت الديمقراطية حلاً عملياً ولعل القياس هنا يأتي من مبرر أن مساحة العقل حين تتعدى حصارها التقليدي وتؤمن بمبدأ الأرض وطن الجميع، يستقل الكل بحريته ويبني معماره الإنساني والوطني، ونحن هنا، وفي هذا الحصار الذي قيدنا أنفسنا بأصفاده، نجد أننا ضربنا مثلاً رائعاً في مقاومة الاستعمار حين ذابت في ظل تلك الإرادة كل التصنيفات التي تخنقنا الآن، لكن بعد زواله، خرجت الكوامن النفسية لتقسم أصحاب الدين الواحد، والوطن التاريخي، وجاءت الحروب الأهلية تتويجاً للأمراض المستوطنة، وحتى السياسة، صارت سياسات، واخترعنا قواميس ضمت مصطلحات مستوردة بتعلية القومية العربية على غيرها، والطائفة على الدين، وتحولت الصراعات إلى نزاعات طويلة هددت بنية الإنسان والوطن معاً..
جميع الدول العربية، إلا النادر منها، تحمل بذور تفتتها، والفقر ليس أصيلاً لأن دولاً غنية بمواردها الطبيعية وتراثها الحضاري القادر على جلب ملايين السياح وفتح منافذ الاستثمارات من الخارج، لا يمكن أن تتقارب أو تتداخل معنا وسط فوضى سياسية وإدارية، وقيود اعتقدت القيادات أنها إجراءات أمنية، وكأن الأمن لا يرتبط بالتنمية، ورفع مستويات الإنسان، والعمل ضمن قانون عالمي اتخذ مبدأ عبور البشر، والأموال والثقافات واستيطانها حيث يوجد التنظيم والتقدم البشري، وفتح الحدود لكل التيارات ضمن ضوابط ضرورية وليست استحكامات للإجراءات المعقدة والبالية..
ما يزيد على نصف قرن عشنا تجارب، ذهاب زعامات وعودة أخرى، وتغييرات جغرافية، وتحولات في نمط وحياة الأجيال، وكل هذه التحديات لم تفرز كائناً وطنياً معافى، يحصل على متطلباته الضرورية من خلال مواهبه وقدراته، وهذه المشكلة ليست قضية عداء مع قوى، بل بنظام عجز أن يكون مدخلاً لحياة كريمة