الشجاعة ليست في اتهام الناس بما فيهم وما ليس فيهم. ومتى؟ بعد ان تزول عنهم الرعاية الرسمية، بعد عزلهم من مناصبهم أو استقالتهم برضاهم أو غصبا عنهم، هذه ليست شجاعة، ولكنها دليل واضح على الاصطياد في المياه العكرة والتشفي والبحث عن دور في لحظات البحث عمن يسد الشواغر.

قلت لأحد الإخوة في القاهرة، وهو من الذين يقودون حملة شرسة ضد بعض القيادات الصحافية السابقة، اين كنت طوال السنين الماضية؟ ولم يجبني بوضوح، حاول ان يلف ويدور ويبرر، ولكنه لم يقل الحقيقة، فهو يعرف انني مطلع على التفاصيل، وللأسف الشديد فقد وجدت نفسي معنيا بطرفي النزاع في كثير من الحالات، «القاذف» صديق و«المقذوف» أيضا صديق، ولكن المنافسة وترسبات الصراعات الداخلية عندما كانوا زملاء اثمرت هذا الصراع الظاهر للعلن،

وحتى بعض الجهات المسؤولة دخلت في صلب الصراع، انتقاما من بعض الأشخاص لما كانوا يمثلونه في السابق من تهديد لمصالحهم ومراكزهم، وربما لرفضهم الاعتراف عندما كانوا محميين من جهات اعلى بتلك الجهات المتوسطة، فخرجت الملفات وتطايرت الأوراق والأرقام السرية، واستقرت في ايدي من قرروا عدم اضاعة مثل هذه الفرصة السانحة.

إن الذي كان يعلم بالفساد وسكت لابد ان يحاسب. لا اتحدث عن مصر، فما يحدث في مصر ليس الا مثالا للطبائع العربية السائدة في قضايا الفساد وسرقة الأموال العامة وإغماض الأعين الرسمية، فهذه من الطباع المتحكمة فينا ، ولهذا نحن مطالبون بان نغيرها بثقافة جديدة تبعد الخوف والتردد، وبقوانين حماية لكل من يطرح رأيه أو يقدم وثائق تدين حالة من حالات الفساد المستشرية في أي قطاع، وكما نطالب بمعاقبة كل منحرف فاسد،

فاننا أيضا نطالب بوضع التشريعات التي تعاقب الذين يتسترون على المرتشين وسارقي أموال الناس، حتى نخلق جيلا شجاعا لا يخشى مراكز القوة، ولا يخاف من القانون الذي لا يحميه حاليا، وقد يكون هذا عذرا مقبولا عندما يتعذر به الذين يترددون في كشف خفايا الفساد، والجبن لا مبرر له،

وليس أكثر منهم جبنا وخيانة لوطنهم الا أولئك الذين يخفون المعلومات، ويصمتون مقابل الانحرافات، بل ويشاركون في الانتفاع من خيرات المؤسسات التي يرتزقون منها ويقبلون بسرقتها ثم تنزل عليهم «شجاعة» مزيفة لأن من سيهاجمونه لا يملك سلطة أو رفعت عنه مظلة الحماية.

myousef_1@yahoo.com