بدأت طهران تلعب بأوراق مكشوفة مع الغرب بخصوص معالجة الملف النووي المشتعل مما جعلها تمسك بالمبادرة رغم الاختلال الفاضح في ميزان القوى بين الجانبين لغير صالحها.وقد يكون السبب الرئيسي الذي جعل طهران تتصرف وكأنها صاحبة اليد العليا في هذا الملف بعد عنصر اعتقادها الجازم بأحقية أهدافها ومظلومية مشروعها هو ذلك التخبط والاضطراب الذي تبديه قائدة مشروع الشرق الأوسط الكبير في أكثر من ساحة إقليمية.

فطهران هي الرابح الأكبر في العراق بسبب غياب أية استراتيجية واضحة لدى «المؤتلفين» بخصوص مستقبل العراق السياسي. وطهران هي القوة الأكثر نفوذاً وليس بالضرورة تدخلاً أو قوة في الساحة الأفغانية بسبب الموقع الجيواستراتيجي لطهران تجاه أفغانستان المضطربة والحيرى وغير القادرة على حسم خياراتها رغم كل الدعم والمساندة الغربية لحامد قرضاي وفريق حكومته غير المتجانس،

وطهران تلعب دور بيضة القبان في الساحة اللبنانية عبر حلفائها الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الواقعي اللبناني رغم كل ما بذلته وتبذله كل من واشنطن وباريس من أجل الإمساك بخيوط اللعبة اللبنانية المعقدة والمتطايرة في الرمال اللبنانية المتحركة. وطهران الحاضرة الغائبة في فلسطين وملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المتعثر سلماً والمخادع تلويناً والمستحيل حسمه حرباً رغم كل الماكينة الدعائية والحملة الدبلوماسية الجبارة التي تقودها حكومة تل أبيب لإظهار نفسها بطلة السلام والتعاون الاقليمي!

على قاعدة مثل هذه الخرائط على الأرض بدا محمود أحمدي نجاد وفريقه الرئاسي المفاوض الجديد وكأنه هو الذي يوزع الأدوار على الجميع ماسكاً بورقة اللعب الأخيرة أو بخطوة «كش مات» الشطرنجية ملوحاً بها دون أن يستخدمها. فإيران بدت شفافة وقانونية وواضحة وحازمة أيضاً أكثر من أي يوم مضى، تعرف ما تريده وما لا تريده، فيما ظهر الطرف المخاصم لها متناقضاً ومتعارضاً، والأهم من ذلك، عاجزاً عن اتخاذ الخطوة الحاسمة التي يريد ويتمنى.. كيف؟

لقد قال الطرف الإيراني بوضوح إنه لن يختار التسلح النووي خياراً، لكنه لن يتراجع أنملة عن مطلبه المشروع في حيازة تقنية نووية للأغراض السلمية مصنعة محلياً بطريقة أقرب ما تكون إلى الاكتفاء الذاتي القادر عليه أو يكاد دون أن ينجرف إلى بند من بنود اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية الموقع عليها «NPT».

ومن أجل دفع الشك باليقين من جهة، وإفساح المجال للربح المتقابل من جهة أخرى، اقترح على الغرب مشاركة واسعة وفاعلة تحقق له ما يريد من دفع الشبهات والتحقق من حسن النوايا والإشراف التام على المشروع النووي الإيراني! فماذا تريد أوروبا أكثر من ذلك؟ وماذا تخبئ واشنطن ومن ورائها إسرائيل المتحفِّزة للشر ضد خصمها اللدود؟

ردّت أوروبا كعادتها بالقول إنها لن تقبل لإيران دوراً نووياً مستقلاً وإن باستطاعتها أن «تضمن» لطهران بيعاً لمدة تقرب من خمسين عاماً للوقود النووي المطلوب! ولكن لم تستطع أن تقدم تبريراً مقبولاً لمنع إيران من إنتاج هذا الوقود فوق أراضيها وبكوادرها البشرية ومهاراتها المحلية وبإشراف أوروبي ودولي ومساهمة مادية ملموسة ومربحة للطرفين!

هذا بينما ردّت أميركا بعنجهيتها المعتادة وعليائيتها المعهودة بأن طالبت طهران بتفكيك برنامجها النووي الحالي لأنه لا يحظى بالثقة، واللجوء إلى خيار البدء من الصفر إن أرادت طاقة نووية سلمية حقاً! هذا بينما عجز الجانب الإسرائيلي عن أن يحظى بدور له في اللعبة الجديدة مما دفعه إلى اجترار حديث الخطر الإيراني. المزعوم!! والقنبلة النووية القادمة لا ريب واللعب بعقول وعواطف الغربيين من خلال تحذيرهم من الاغراءات الإيرانية الجديدة.

هذا بينما كان العرب وحدهم الغائب الأكبر عن هذا الكر والفر الذي يدور من حولهم ويصيب مصائرهم في الصميم! لقد نجحت القيادة الإيرانية بامتياز مرة أخرى ولكن هذه المرة ليس فقط من خلال الظهور بمظهر أو دور اللاعب الاقليمي الأكبر بل بمثابة الطرف القادر على تغيير قواعد اللعبة أيضا.

ثمة من يراهن هنا بأن الملف الإيراني لن يذهب إلى مجلس الأمن وان ذهب فانه لن يتعدى تقريراً ومن ثم بياناً يدعو الإيرانيين للتعقل والعودة إلى طاولة المفاوضات والعمل في اطار الشفافية الدولية وتحقيق هذه المطالب ستعيد الكرة إلى المربع واحد الذي تطالب به إيران اصلاً مضافا إليه انها كسرت حاجز «الرعب» الذي ظل بمثابة السيف المسلط عليها حتى الآن.

ثمة من هو مطمئن إلى أنه ليس هناك ما يسمى بالجولة الأخيرة في هذه اللعبة. وأن المفاوضات ستكون طويلة وملتوية ومتشابكة ومعقدة ولن يكون فيها ثمة خاسر أو رابح واحد، وبالتالي فإن العالم يجب أن يوطن نفسه على التعايش مع الملف النووي الإيراني الساخن ما دامت ساحات العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين مشتعلة، والأهم من ذلك ما دام الميزان يميل بشكل فاضح لصالح كيان إسرائيلي ظالم ومجحف ومدمر يملك أخطر الترسانات النووية وأكثرها إقلاقاً لسكان المنطقة فيما يستقبل زعيم هذا الكيان باعتباره رجل سلام بامتياز!!

ثمة من يقول أن طبيعة «القنبلة» الإيرانية ليست نووية حتى يتم تفكيكها بسهولة كما هي الحال مع القنبلة النووية الكورية مثلاً بل هي «قنبلة» الانتصارات المجانية التي توفرها لها تخبطات وحماقات خصمها المسلح بالقنابل حتى الأسنان لكنه العاجز عن التعامل مع قضايا العرب والمسلمين بغير أسلحة الخداع الشامل والظلم الشامل والكذب الشامل فضلاً عن أسلحة الدمار الشامل.

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني