دارت عجلة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة ودارت معها عجلة تحول تاريخي سيكون له ما بعده داخل الكيان الصهيوني وخارجه، لا بوصف الانسحاب إنجازاً تاريخياً لطرف فلسطيني أو عربي فهذا منطق دعائي تبسيطي، بل بوصفه مؤشراً على أن الكيان الصهيوني قد قرر عبور مفترق طرق تاريخي توقف أمامه طويلاً متأرجحاً طامعاً في الحصول على كل شيء وهو ما كان مستحيلاً.
فمنذ نشأت إسرائيل ـ بل ربما منذ نشأت الحركة الصهيونية ـ يتنازع الصهاينة تياران: صهيونية الأراضي التي يرى أنصارها ضرورة الاحتفاظ بكل شبر من الأرض وصولاً في الحد الأقصى لالتهام كل الأراضي التي تدخل في نطاق ما يسمى «إسرائيل الكبرى»، والتيار الثاني: الصهيونية الديموغرافية ويرى أنصاره أن الحفاظ على الهوية اليهودية لسكان الدولة أهم من الحفاظ على المزيد من الأرض.
والخلاف بين التيارين كان يعني بالتبعية الخلاف حول مستقبل إسرائيل كلها، فالاستيلاء على مزيد من الأراضي كان معناه قبول المزيد من «غير اليهود» داخل حدود الدولة بما يعنيه ذلك من تهديدات لهوية الدولة التي يرى الصهاينة المتدينون ومعهم اليمين الديني الأميركي أنها يجب أن تكون «دولة يهودية» لا مجرد دولة لليهود.
وخطة فك الارتباط بقدر ما هي محاولة للهرب من استحقاقات أطر تفاوضية يعني السير فيها الاعتراف بدولة فلسطينية وحقوق والتزامات متبادلة هي أيضا انحياز للهوية بما تعنيه من مفاهيم قيمية ستدفع الكيان الصهيوني لمزيد من الاقتراب من أميركا والبعد عن أوروبا.
والاختيار بين الجغرافيا والهوية منح أميركا أهم حلفائها السياسيين على الإطلاق، فبريطانيا التي اختارت التحالف الأوثق مع أميركا على أرضية الانتماء للتشكيل الحضاري الإنجلوسكسوني على حساب علاقات أقل دفئا مع أوروبا الأقرب جغرافيا، واستراليا التي تربطها علاقات بأميركا أكثر دفئا من علاقتها بجيرانها الآسيويين، كلتاهما تكتسب المزيد من الأهمية في السياسية الخارجية الأميركية لكونهما أكثر اهتماماً بالهوية من الجغرافيا، ويرى الأميركيون أنهم لمثل هذه الأسباب «يشبهونهم».
والانحياز لاختيار الهوية ستكون له أولا نتائجه الداخلية في إسرائيل إذ سيعزز البعد الديني في الرؤية الصهيونية كون الدين أحد أهم الروابط التي تجعل يهودا من عشرات الجنسيات يشعرون أنهم مرتبطون بمصير واحد، من ناحية أخرى سيؤدي هذا على وجه القطع لضغوط على عرب 1948 الذين فرضت عليهم جنسية الكيان الصهيوني الذي لم ينجح رغم ذلك في هضمهم بعد أكثر من خمسة عقود على تأسيس الدولة.
وعلى صعيد الخارج ستكون له تأثيرات مؤكدة على الأردن التي ستكون عرضة لضغوط كبيرة بهدف توطين الفلسطينيين المقيمين فيها بما يعنيه ذلك من متاعب كبيرة، لكنه وهو الأهم سيؤدي إلى تأكيد الهوية الدينية للكيان الصهيوني وهو ما شدد عليه جورج بوش الابن مرات، الأمر الذي يدفع بالتبعية إلى حالة إحياء ديني في العالم العربي، فالمسلمون على حد تعبير عزمي بشارة ينظرون للكيان الصهيوني نظرة هي مزيج من الكراهية والإعجاب لأنهم نجحوا في بناء دولة على أساس ديني.
وخلال خمسة عقود كانت شرائح واسعة من النخبة الثقافية ترى أزمة العالم العربي في مرآة صهيونية فانقسموا بين علمانيين ضخموا دور العلمانية في قيام الكيان الصهيوني والملامح العلمانية في بنيته مؤكدين أنهم هزمونا لأنهم تخلوا عن الدين وأنشأوا دولة علمانية
ورتبوا على ذلك بالضرورة أن علينا أن نؤكد علمانيتنا إن أردنا أن ننتصر عليهم، وفي المقابل كان هناك إسلاميون ركزوا على دور الدين في نشأة الكيان الصهيوني، مؤكدين أن السبيل الوحيد للانتصار عليه هو «العودة للدين»، وكأننا دون وجود الكيان الصهيوني لم نكن لنحدد أي الجسور نعبر وأيها نحرق.
صورتنا في مرآة العدو
وفي ظل الصعود الواضح للإسلاميين في التجربة برعاية أميركية والثقل الكبير للحركات الإسلامية بوصفها التيار الأقوى في الشارع السياسي العربي، فإن النتائج السياسية غير المنظورة لهذا الانسحاب ستكون كبيرة، خصوصا في ظل التفاعل المتبادل بين ما يحدث على أرض فلسطين ومجمل التحولات في العالم العربي وهو ما سوف يتضح على نحو ربما غير مسبوق مع اكتمال ملامح التحول في الكيان الصهيوني.وتلك من مفارقات تشابك المقادير بيننا وبين أعدائنا!
كاتب مصري