المتتبع لتصريحات أعضاء فريق الصقور المهيمن على مراكز اتخاذ القرار الأميركية لا سيما في وزارتي الخارجية والدفاع الـ «البنتاغون» والطريقة التي يستعرض فيها هؤلاء ما تحقق لأميركا والعالم الحر على أيديهم، يشعر أن نبرة الأنا المبجلة تفوح من كل كلمة تخرج من أفواههم!
هذه الأنا كان قد أعادها إلى واجهة الاهتمام فرنسيس فوكوياما في كتابه الشهير «نهاية التاريخ» حين أشار إلى أن الغرب ـ ويقصد الولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص ـ وصل إلى مرحلة لم يعد ثمة ما يمكن إضافته على النظم الاجتماعية والثقافية والسياسية للإنسان وذلك في أعقاب انتصار الأيديولوجية الرأسمالية وانهيار المنظومة الاشتراكية.
ثم جاء الرئيس الأسبق للولايات المتحدة جورج بوش الأب وعزز ذلك التوجه بتبني فكرة جديدة ـ قديمة اسمها العولمة.. وهي باختصار تحويل العالم إلى قرية صغيرة يسودها نظام اجتماعي واقتصادي وثقافي واحد. وهو بالطبع أميركي المنشأ والممارسة.. أي بـ «العربي الفصيح» أمركة العالم أو فرض الأنا وإلغاء الآخر.
وخلال الحروب التي خاضتها في العقد الماضي، بدءا من عاصفة الصحراء ومروراً بتفكيك جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي وحرب كوسوفو وحربها على طالبان والقاعدة ثم على العراق، ناهيك عن الحروب السرية التي تخاض من جانب واحد لتهجين كل من تسول نفسه ويرفع صوته ليقول كلمة حق.. أفراداً كانوا أم دولاً، انتهجت أميركا سياسة التفرد بالقرار الدولي وتبنت رؤية تقوم على التشدد حيال العالم وإعطاء نفسها الحق في أن تفعل ما تشاء وحيثما تشاء وعندما تشاء!
هذه الرؤية لم تكن سوى توطئة لظهور فكر جديد اشترك عدد من غلاة التطرف اليميني الأميركي في صياغته وتنفيذه.. فكر يؤمن أن التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي يعطي أميركا الحق في سيادة العالم والهيمنة عليه. وعرفت هذه الرؤية فيما بعد باسم «المشروع الامبراطوري الأميركي».
أهداف هذا المشروع لا تحتاج لعبقرية لفهمها. فالمشروع يسعى إلى انفراد أميركا بالساحة الدولية وتحييد وتحجيم أدوار أي قوة عالمية أو إقليمية أخرى، فضلاً عن إزالة ما تبقى من الفكر الاشتراكي سواء كيانات سياسية أو حزبية.. أي بمعنى آخر فرض الأنا الأميركية بجميع أشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية سلماً إذا أمكن أو باستخدام معاول التبعية والضغوط الاقتصادية وبقوة السلاح إذا تعذر ذلك!
ورغم أن هذه السياسة ليست جديدة تماماً على سادة البيت الأبيض، وإن اختلفت آلية التنفيذ، إلا أن السابقين منهم اعتادوا أن يمارسوها في الخفاء ليس لاعتبارات أخلاقية وإنما فرضتها اعتبارات سياسية في ظل الحرب الباردة ونظام عالم يتنافس على استقطابه قطبان.
وقد نجح هؤلاء بعد أحداث 11 سبتمبر، وغياب «الضد القادر» في إشهار مشروعهم وتبنيه رسمياً تحت ذريعة ملاحقة الإرهاب في كل بقاع الدنيا في إطار حملة أطلقوا عليها «حرب أميركا على الإرهاب» واستطاعوا تحويله إلى قوة ضاغطة في السياسة الخارجية الأميركية بتبني مواقف صارمة، إن لم تكن عدائية، من الأمم المتحدة ومن بعض الدول والأحزاب الأوروبية، ومن كل دولة لا تدور في الفلك الأميركي أو تحاول الخروج من مداره.
بيد أن هذا الفكر ليس غريباً ولا دخيلاً على سياسة الولايات المتحدة. فقد شجعت أميركا، بل ونظمت، أثناء الحرب الباردة وبكل ما أوتيت من قوة عسكرية واقتصادية، تغيير حكومات الدول التي يبدأ منحاها السياسي يميل إلى الكتلة الاشتراكية.. إما بالانقلابات العسكرية أو التدخل العسكري المباشر أو عبر سلطتها الاقتصادية المتمثلة في شركات متعددة الجنسيات.
وفي حربها على العراق ـ قبل وأثناء وبعد ـ أثبتت أميركا انها تمتلك مشروعاً امبراطورياً مسلحاً بالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، معززاً بأكاذيب واختلاق مبررات كيفما اتفق، لفرض إرادتها على العالم وأنها لا تقبل شراكة أحد ولن تتهاون ضد من يعارض خططها أو يحول دونها وتحقيق ما تريد..
أكاذيب قال كولن باول، وزير الخارجية الأميركي السابق، إنها بدأت «تؤلمه» حين أعرب علناً عن ندمه على الخطاب الذي ألقاه في مجلس الأمن حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل: السبب الذي اتخذته إدارة البيض لشن حربها على العراق، وكان باول أحد أركانها، واعتبرها «وصمة عار» في سجله.
العولمة وفكر الهيمنة على العالم ومشروع القرن الأميركي الجديد.. ثلاث ركائز يقوم عليها المشروع الامبراطوري الأميركي. وبغض النظر عن تواريخ نشأة أو ابتعاث كل واحد من هذه العناصر إلا أنها جميعاً من بنات أفكار فريق صقور إدارة بوش الأب حيث كان من المفترض أن يبدأ العمل لإنجاز المشروع الجديد أثناء ولايته الثانية إلا أن هزيمته، غير المتوقعة، أمام المرشح الديمقراطي بيل كلينتون نقلت ملفات ذلك المشروع إلى مكاتب حكومة الظل اليمينية التي توسعت، في عهد بوش الابن، لتضيف صقوراً جدداً فوق صقور إدارة بوش الأب.
ويضم الفريق الحالي في عضويته: ديك تشيني، نائب الرئيس، دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع، وريتشارد بيرل، مدير التخطيط الاستراتيجي ـ السابق ـ في وزارة الدفاع وعراب الحرب على العراق والمعروف باسم أمير الظلام، وبول وولفويتز، مساعد وزير الدفاع السابق ورئيس البنك الدولي الحالي، وأحد مهندسي حرب الخليج الأولى (عاصفة الصحراء)،
وانضمت إليهم مؤخرا وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بعد أن كانت تمارس الدور على الاستحياء حين كانت تشغل مستشارة الأمن القومي، ويعاضدهم عدد من رجالات الصف الثاني في الإدارة الأميركية سواء من موظفي البيت البيض أو وزارة الدفاع أو أعضاء اللجان الاستشارية.
وهذه المجموعة هي المسؤولة أيضاً عن وضع قائمة صنفت البشر إلى نوعين: الأنا والآخر، والصالح والطالح (ذا باد آند ذا جوود)، وقسمت العالم إلى قوي وضعيف (ومن ليس معنا فهو ضدنا)، أو باختصار الغرب وبقية العالم (ذا وست أند ذا رست).
مشروع الامبريالية الأميركية الجديد لا يختلف كثيراً عن النظام الاستعماري القديم الذي قسم العالم إلى مستعمرين ومستعمرات، وانغمس في عمليات استغلال ونهب ثروات الشعوب وعمليات ترانسفير ديمغرافية أسفرت عن إقامة دول يهيمن عليها الإنسان الأبيض ـ الأنا ـ في قارات وأماكن تعرض سكانها الأصليون ـ الآخر ـ للإبادة أو العزل.
خلاصة القول ليس قولنا نحن «الآخر» وإنما قولهم هم «الأنا» وهو ما كتبه الصحافي الأميركي المثير للجدل توماس فريدمان، أثناء الاستعداد لاحتلال العراق، في صحيفة الـ «نيويورك تايمز» حين قال: إنه في حين كان الرئيس جورج بوش يعتقد أن محور الشر يتألف من إيران والعراق وكوريا الشمالية ـ أي الآخر ـ يرى بعض الأوروبيين، ممن يعارضون الحرب، أن محور الشر يضم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس الأميركي ريتشارد تشيني، ومستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس.. أي الأنا!
كاتب عماني