سعت السعودية وبذلت كل ما تستطيع من جهد للحيلولة دون غزو العراق، وقدمت مرئياتها للإدارة الأميركية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وكانت الرؤية السعودية حيال الحرب واضحة "تجنب الحرب ليس لمصلحة العراق فقط بل لمصلحة كل دول المنطقة والعالم وعلى رأسه الولايات المتحدة"، وهذا ما قاله وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل.

وأكد فيه - قبيل انعقاد القمة التي دعت إليها تركيا قبيل الغزو - في مؤتمر صحفي في مصر أن اجتماع وزراء الخارجية السداسي في تركيا حينها سيبحث نقطة واحدة هي سبل تجنيب العراق أي عمل عسكري في الفترة المقبلة.

وفي مقابلة للأمير سعود الفيصل لمجلة "نيوز ويك" في يناير 2003م أكد فيها أنه لا يجوز أن تدخل الولايات المتحدة في صراع ضد العراق بدون تفاهم دولي واسع، وقال في حديثه للمجلة "نحن خائفون من عواقب الصراع، ليس لأنه سيضر بموقف صدام ولكن لأنه سيضر بالشعب العراقي".

لم تصغ الإدارة الأميركية حينها للنصائح التي قدمتها السعودية وأقدمت على غزو العراق، وأدخلت المنطقة بأسرها في مستنقع صراع يهدد بنشوب حرب أهلية طائفية تهدد العراق ووحدته والبلدان المجاورة للعراق، وبالأمس ذكَّر سعود الفيصل أن الإدارة الأميركية لم تصغ للتحذيرات السعودية من مغبة غزو العراق واحتلاله وقال في مقابلته مع وكالة الـ"أسوشيتدبرس" إنه "من المحبط أن ترى شيئا سيقع بوضوح ولا يستمع إليك صديقك ثم لا يلبث أن يأتي الضرر منه".

انطلقت التحذيرات والنصائح السعودية على لسان سعود الفيصل من مبدأ صديقُك من صَدَقَك لا من صَدَّقَك، فالسعودية لم تجامل الولايات المتحدة قبل اندلاع الحرب ولم تداهنها بعدها.

والمخاوف السعودية التي عبر عنها الفيصل أخيرا من أن العراق الآن "يندفع بسرعة نحو التفكك" لم تعد خافية على أحد حتى على الإدارة الأميركية نفسها، فالرئيس الأميركي - الذي عبر يوم الخميس الماضي عن تفاؤل يحدث على المدى البعيد في العراق - حذر من أن العنف وسفك الدماء في العراق سيتزايد على ما يبدو في الأسابيع المقبلة.

التحذيرات السعودية لم تأت من فراغ، فهي مبنية على الخبرة الكاملة بالمنطقة وأوضاعها، وبالتركيبة السكانية العراقية وبما يجري على أرض الواقع، فالأوضاع الراهنة في العراق تهدد بتجزئته وبنشوب حرب أهلية لا سمح الله إن استمر الحديث عن شيعة وسنة وأكراد، وقد أصاب وزير الخارجية السعودي - كما أصاب من قبل - عندما طالب بلم شمل العراقيين وعدم السماح بقيام حرب أهلية لأنها إن قامت "فإن العراق سينتهي إلى الأبد ويسلم إلى إيران".