لا يقف قطار الصعيد السريع المسمى «المجري» عادة إلا في محطات المدن الرئيسية.. لكنه في ذلك اليوم كان يقف في محطات صغيرة.. لا يقف عليها القطار المسمى «القشاش».. وكان السبب مدهشاً.. ان واحداً من أهم ركابه هو مدير مباحث أمن الدولة.. وسر الدهشة ان وجود راكب بهذه الأهمية يجبر سائق القطار على مزيد من السرعة.. لا التلكؤ هنا وهناك.
كان ذلك اليوم هو يوم الأحد 11 اكتوبر 1981.. بعد خمسة أيام من اغتيال الرئيس انور السادات في «حادث المنصة».. وبعد يومين من مجزرة «عيد الأضحى» التي وقعت في مدينة اسيوط والتي استدعت سفر الرجل الأول في جهاز أمن الدولة للسيطرة على المدينة التي لم تفرح ببهجة عيد الأضحى بسبب عمليات القتل العشوائي التي قامت بها التنظيمات الدينية الإرهابية هناك..
وبعد ان نجح الرجل في مهمته الحرجة.. ركب القطار عائداً إلى القاهرة.. لكن.. بعد ان صدرت التعليمات إلى سائقه بالتوقف في محطات بعينها.. ليصعد إلى القطار ضابط مسؤول ويعطي آخر تقرير عن الموقف وصل من أسيوط لراكب القطار المهم.. اللواء حسن أبو باشا.
أنا أيضا كنت في ذلك القطار الذي قطع المسافة بين أسيوط والقاهرة في سبع ساعات.. لا في خمس ساعات كما اعتاد. وتصادف ان كنت أجلس في مقعد قريب منه.
. ورأيت كل ما كان يجرى.. ولولا تلك الصدفة ما عرفت شخصية الرجل.. وهي شخصية خفية.. لا تنشر صورتها.. وينطق الناس باسمها همساً.. ويدعون الله ان لا يضعها في طريقهم طبقا للمثل الشائع: «ابعد عن الشر وغني له».
كانت المرة الأولى في حياتي الصحافية التي أرى فيها حسن أبو باشا.. ولم يكن من الممكن ان ابتعد عنه وأغني له.. فقد وضعته الظروف الصعبة في طريقي وأنا مثله عائد من أسيوط بعد ان قمت بتغطية ما جرى هناك.. قبل ان تجف دماء الضحايا.. وتكف طلقات الرصاص عن الدوي كما ان الرجل كان على وشك ان يصبح وزيرا للداخلية بعد نجاحه في مهمته بأشهر قليلة.. في يناير 1982.
لقد بدأت الأحداث الدامية في أسيوط لحظة صلاة العيد.. في الساعة السادسة وخمس دقائق.. نزل بعض الشبان من سيارة بيجو (404) بيضاء.. مدهونة بطلاء أزرق رديء.. أمام مسجد ناصر وراحوا يطلقون النار على رجال الأمن وهم في عرض الطريق.. ومن داخل المسجد سمع نائب مدير الأمن اللواء حسن علي سليمان صوت الرصاص فقفز من مكانه وخرج ليأمر جنوده بالتعامل مع الجناة الذي فروا هاربين..
وقبل ان ينقل الرجل الجرحى سمع نداء لاسلكيا بالتوجه إلى مديرية الأمن لوقوع هجوم مسلح عليها.. وقبل ان يصل إلى مكان الهجوم الجديد تلقى اشارة أخرى بهجمات مسلحة على أقسام الشرطة وباقي أجهزتها.. ولم يتمكن هو ومدير الأمن اللواء محمود يوسف من مبنى المديرية.. فقد كانت تحت الاحتلال العسكري..
ويسيطر عليها إرهابيون يرتدون «لباس عساكر الجيش».. لكنهم.. سرعان ما تركوها ليختبئوا في بيوت مجاورة.. محتمين بأهلها الذي تحولوا إلى رهائن ودروع بشرية.. وهنا جاء دور حسن أبو باشا الذي وصل بعد ساعات قليلة في طائرة هيليكوبتر.. وجلس في هدوء ليأمر رجاله بالصبر والحكمة وطول النفس.
لم يتصرف حسن أبو باشا بعنف.. وإنما ببرود قاتل.. أغلق محابس المياه على البيوت المختبيء فيها الإرهابيون.. وقطع الكهرباء عنها.. وانتظر خروج الفئران المذعورة من جحورها.
وكان هدفه ألا يزيد من حجم الخسائر البشرية التي نتجت عن تلك العملية.. قتل عميد شرطة.. وثلاثة ضباط برتبة ملازم أول.. و62 جندياً.. و21 مواطناً.. وأصيب 15 ضابطاً و190 جندياً و32 مواطناً.. بخلاف الخسائر في مباني وسيارات الشرطة.
بعد ساعات طوال من التريث والسكون خرج الجناة رافعين أيديهم.. وكان عددهم 84 شاباً تتراوح اعمارهم مابين 18 و26 سنة.. منهم 45 طالباً.. و3 تجار.. و3 مدرسين.. و9 حرفيين.. وتولى قيادتهم أمراء تنظيم الجهاد في الصعيد: محمد عصام دربالة وفؤاد أحمد حنفي وعاصم عبد الماجد وأسامة ابراهيم حافظ وحمدي عبد الرحمن وطلعت فؤاد قاسم وعلي الشريف.
. وكانت خطتهم الاستيلاء على مدينة أسيوط وعزلها.. تمهيداً للاستيلاء على باقي مدن الصعيد.. ضمن مخطط الثورة الشعبية الإسلامية التي كانت لحظة انطلاقها هي نفسها لحظة نجاح خطة اغتيال أنور السادات.
في تلك الظروف شديدة الصعوبة وجد حسن أبو باشا نفسه مسؤولا عن أمن مصر واستقرارها وإعادة الهدوء والاطمئنان إليها.. وعندما وضعتني الصدفة على بعد عدة امتار منه في القطار العائد إلى القاهرة لم استطع ان أمنع نفسي من الاقتراب منه.
والتحدث اليه رغم ان ملامحه الجادة ونبرات صوته الثقيلة ونظراته الباردة لا توحي بسلامة المغامرة.. خاصة في تلك اللحظة التي كان فيها رصاص رجاله المحيطين به ساخناً في منتصف مواسير البنادق لا يحتاج لمزيد من الاستنفار والاستفزاز.
كانت المرة الأولى التي اسمع فيها من رجل أمن: إن الإرهاب صناعة سياسية وليس مواجهة أمنية.. وان الذين ربوا الوحش وسمنوه دفعوا حياتهم ثمناً لتلك الجريمة الرسمية التي دبرت في كواليس السلطة الرسمية.
. ولم يكن من الممكن ان اسمع مثل هذه الكلمات الناضجة دون ان انشرها رغم تحذيرات صاحبها وهو ما أثار غضبه عليّ.. ولم ابال بغضبه فالرأي إذا لم ينشر تحول إلى خنجر في لحم صاحبه.. يؤلمه.. ويدميه حتى يخرج منه.. لكني.. اعترف ان الرجل لم يحول غضبه.. وكان بحكم منصبه القوى يقدر ويستطيع.
لم أحاول الاتصال به طوال وجوده في منصب وزير الداخلية ليس خوفاً منه وإنما حساسية مني.. فقد تعلمت من مهنتي ان المسؤول مقيد اللسان وهو في مكانه.. وان لسانه لا تفك عقدته إلا إذا أصبح مواطناً عادياً.
. وهو ما حدث بالفعل .. فقد رحت أطرق بابه في اليوم التالي لخروجه من السلطة.. مستعيناً به في الكتب التي نشرتها قبل غيري (عن عملية اغتيال أنور السادات وقصة تنظيم الجهاد والأسباب الاجتماعية والسياسية للارهاب والتطرف الديني وشخصية سيد قطب الذي يوصف بالاب الروحي لتلك التنظيمات).
. ولفت نظري ان الرجل يعيش في شقة متواضعة جداً.. حجرتان وصالة.. في بيت قديم.. تغطيها الكتب والجرائد والملفات والتقارير والملاحظات التي يدونها بنفسه عن مشواره الأمني الطويل الذي بدأ في عام 1945.
كان رأيه ان المتطرفين الشبان هم مرضى بالعزلة والأفكار الدينية الخاطئة ولا يمكن علاجهم الا بالحوار المباشر معهم كما يفعل الأطباء النفسيون مع المصابين بالبارانويا والفصام والوسواس القهري.. وكان رأيه ان أخطر من الذين يطلقون الرصاص هؤلاء الذين يزرعون تلك الأفكار.. ورغم ذلك لا يعاقبهم القانون على ما يفعلون..
وحاول ان يفتح حوارا في السجون مع الذين قبض عليهم.. وسعى الى تغذية رجاله بالكتب المناسبة.. ومعرفة الفروق غير المنظورة بين تنظيم وآخر وكان ذلك مهمة شاقة في وقت كان عدد هذه التنظيمات يتجاوز الأربعين.. وما هو مخفي منهم أكبر مما كان ظاهراً..
وقد أوقف الذين جاءوا بعده تلك السياسة العلاجية.. واستخدموا سياسة العنف والقتل.. فكان ان تضاعفت حالات الموت.. ومحاولات الاغتيال.. وتفجرت الدماء من مختلف الشرايين أنهاراً وأنهاراً حتى كانت مبادرة ايقاف العنف الأخيرة التي اعادت أمراء الارهاب بعد سنوات طويلة إلى الحياة الطبيعية من جديد.
وكان رأيه ان الارهاب ليس صناعة مصرية خالصة وإنما هو خلية نشطة في أجسام مضادة للحياة تربت في بيئة إقليمية ودولية تفرض تعاونا متعدد الأطراف لمواجهته.. والتخلص منه.. وهي نظرية لم تجد من يتحمس لها إلا فيما بعد..
وقد عاش حسن أبو باشا ليجدها مسيطرة على غالبية دول العالم بعد ان وقعت كثير من الفؤوس في كثير من الرؤوس.. وكاد هو نفسه ان يكون أحد ضحاياها.. فقد تعرض لمحاولة اغتيال كادت تقضي على حياته لولا ستر الله وقوة إيمانه..
وبقي الرجل على قيد الحياة يواجه الإرهاب بخبرته بعد ان واجهه بجسده.. ورأيته آخر مرة في مستشفى زوج ابنته الدكتور حسام بدراوي.. وكانت المرة الأخيرة التي رأيته فيها.. لكن.. قبل أيام وجدته يتصل بي تليفونياً ليسأل عني.. ولم أكن أعرف انها كانت مكالمة أخيرة .. مكالمة وداع.
كاتب مصري