الإطلالة الجديدة لتنظيم ميليشياوي لبناني مندثر عبر المؤتمر الصحافي الأخير، الذي عقده ثلاثة من قادة «حراس الأرز» يمثل عودة غير محمودة ومذمومة لمجموعة لبنانية متطرفة انغمست في نيران الحروب الأهلية، وبرعت في حينها، في تقديم خطابها الفاشي.
والتحريضي ليس ضد الفلسطينيين أو السوريين فقط، بل ضد فئات وقطاعات واسعة من الشارع اللبناني، بما في ذلك ضد بعض الميليشيات والأحزاب التي تخندقت مع مجموعة «حراس الأرز» اياها، في فترات معينة من تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية بين أعوام : 1975 ـ 1990.
ولأن الشارع اللبناني شهد طفرة الدكاكين الميليشياوية التي ازدهرت ونمت مع «غياب العقل السياسي الراجح» في سياق الحرب الأهلية المدمرة آنذاك، ومنها الميليشيات المتطرفة على جانبي خط التصادم بين ما أصطلح على تسميته بالشرقية والغربية في بيروت، الا أن مجموعة الجنوبي اتيان صقر الآتي من بلدة عين ابل قضاء مدينة صور.
والمسماة بـ «حراس الأرز» كانت الأكثر استثناء في تقديم الخطاب الفاشي الشوفيني الضيق المتنكر للعروبة، والأكثر استثناء في صب زيت التحريض فوق نيران الحرب التعيسة التي اندلعت بين الأشقاء داخل لبنان، متخذة من تل أبيب مربطاً لها، واقامة دائمة لقائدها حتى اللحظة الراهنة.
وفي هذا السياق، فإن العودة الجديدة لمجموعة «حراس الأرز» بثوبها البالي العتيق وخطابها الفج، التفجيري، تشبه العودة من كهوف الماضي. فلا دروس الحرب الأهلية وصلت اليها.
ولاهي استطاعت أن تستوعب المتغيرات والنتائج الكارثية التي جلبتها الحرب الأهلية الضروس، والخسارة الفادحة التي دفعها الشعب اللبناني الواحد الموحد بكل طوائفة وتياراته السياسية.
فجميع القوى اللبنانية الميليشياوية وغيرها من القوى السياسية الحزبية، تحولت وتطورت في خطابها السياسي، فقد تعلمت من تجربتها وتجربة الحرب الأهلية، فبادرت الى تحطيم الحواجز والقيود وتوافقت تحت سقف الشرعية اللبنانية منذ اتفاق الطائف عام 1990.
والأسوأ من كل هذا، أن تأتي الاطلالة الجديدة لمجوعة «حراس الأرز» بخطابها الآتي معها من كهوف الماضي لتنكأ جراح سبق وأن التأمت، في وقت تعافت فيه وبشكل نسبي الحالة اللبنانية الداخلية من جراح الحرب الأهلية، وكرس فيه اللبنانيون توافقهم الكامل، بإلقاء سلاح الحروب التدميرية الداخلية.
والعودة للتعايش المشترك تحت سقف الوطن الواحد لجميع أبنائه، متخذين من اللعبة الديمقراطية ميداناً فسيحاً للتنافس الديمقراطي الحر. بينما أخرج الفلسطينيون أنفسهم من حسابات المعادلة الداخلية اللبنانية، مستفيدين من تجربتهم المرة، التي دفعوا ثمنها الباهظ.
وعليه خبت نسبياً بعض الأصوات النشاز في الساحة اللبنانية، التي سبق لها وان ملأت الأجواء صراخاً هستيرياً ضد الوجود الفلسطيني المدني، متحدثة عن مخاطر «بعبع التوطين» المزعوم.
ان الدعوة التحريضية البشعة التي أطلقها قادة «حراس الأرز» في مؤتمرهم الصحافي الأخير ضد الفلسطينيين ـ على كل لبناني قتل فلسطيني، والسوري أسوأ من الاسرائيلي ـ دعوة فاشية بامتياز.
وتحمل في طياتها بذور الفتن في ظل تعاطي لبناني ايجابي، يتطور يومياً، على المستوى الرسمي وغير الرسمي مع الحالة الفلسطينية الرسمية، ومع الحالة الفلسطينية اللاجئة والمقيمة قسراً وبشكل مؤقت في لبنان منذ نكبة عام 1948.
ومن هنا لابد من القول: ان الصوت النشاز لـ «حراس الأرز» لايمثل الشعب اللبناني، فقد أساء هذا الصوت للشعب اللبناني وللبنان ككل، ولايليق بلبنان، البلد الحضاري أن تخرج فئة موتورة من قلب بيروت لتعلن معاداتها وتحديها لتاريخ وتجربة لبنان وشعبه، ولكل ما هو حضاري وانساني على أرضه.
كاتب فلسطيني ـ دمشق