أصبح الزحام المروري أمراً مألوفاً في مدينة دبي، ولم يعد من المستغرب أن يمتد طابور السيارات على مد البصر، وهي ضريبة التقدم والنهضة العمرانية، التي جعلتها من المدن المهمة على المستوى العالمي.

إلا أن حجم وكثافة الزحام في الأسبوع الماضي لم يكن طبيعياً، حيث طالت مدة الانتظار، وامتد طابور السيارات إلى ما بعد حدود دبي وتحديداً على شارع الشيخ زايد. إلا أن إحدى المحطات، الناطقة باللغة الانجليزية، بثت خبراً، عن وجود إضراب عمالي في مدينة دبي!!، للوهلة الأولى، اعتقدت إن ذلك الخبر يتحدث عن مدينة أخرى!

إلا أن الأخبار، بدأت تتأكد، بشكل غير عادي، حول وجود إضراب عمالي، بسبب عدة عوامل، إلا أن الأهم فيها، هو عدم صرف الشركة التي يعملون بها، لرواتبهم منذ عدة شهور!. هل يعقل أن تقوم شركة وطنية بذلك؟

ألا يدرك القائمون عليها أننا نعيش في قرية صغيرة، وأن وسائل الاتصال العالمية يمكن أن تنقل هذا الخبر، وحيثيات أسباب الإضراب إلى أرجاء المعمورة؟.

حين ذاك تنقلب الصورة الجميلة لوطننا، الإمارات، في عيون المنظمات الدولية، وجمعيات حقوق الإنسان، وهنا سيخرج، كل من لا يحب الخير، لهذه الدولة ويستخدم معاول الهدم، والسبب أن البعض، لا يزال يتعامل مع القضايا الإنسانية بعقلية القرن الماضي.

وهي عقلية في الكثير من الأحيان، لا تراعي حتى الجانب الإنساني، في الدين الإسلامي الحنيف، فأين هم من إعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه!!

في هذه الحادثة، والتي تمت معالجتها بشكل جيد، سواء من قبل وسائل الإعلام المحلية، أو من قبل المؤسسات ذات العلاقة، وتحديداً وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، التي أكدت على أهمية الشفافية في تناول المشكلات الاقتصادية وغيرها.

هنالك دلالات مهمة أولها، أن دولة الإمارات ممثلة بمؤسساتها المختلفة باتت تدرك، كأي دولة حضارية، تعيش عصرها، أن مواجهة المشكلات لا يتم بالتكتم عليها وإخفائها، واعتبار مجرد الحديث عنها، يدخل ضمن إطار المحرمات.

وإنما يتم بمعالجة تلك المشكلة من جذورها، وإيجاد الحل الإنساني الذي يليق بدولة مثل دولة الإمارات، التي رسمت لنفسها سياسة تقوم على العدل دون محاباة لأحد أياً كان موقعه. وثانيها وهي نقطة ايجابية أخرى، لا بد من تسجيلها، والإشادة بها، وهي الأسلوب الذي تعاملت به شرطة دبي، مع العمال المضربين.

حيث لم تلجأ إلى أي شكل من أشكال العنف كما يحدث عادة في كثير من دول العالم، كما أنها لم تحاول أن تثني العمال، عن المطالبة بحقوقهم، بل الأكثر من ذلك، أنها وفرت لهم كل السبل، لإيصال صوتهم، للجهات المختصة، التي دعمت مطالبهم.

لم يعد هنالك مجال لتناول أصغر الأحداث بالصورة السابقة، والتي لا يزال البعض، يعتقد أنها سارية المفعول، كما في تناولها لموضوع إضراب العمال الذي لم يكن بالمستوى المطلوب منهم.

وهذا استنتاج خاطئ من الأساس لأساليب عفا عنها الزمن. إن مدينة دبي أصبحت بؤرة الاهتمام العالمي، ولدينا عشرات المحطات سواء التلفزيونية أو الصحافية ومركزها مدينة دبي للإعلام، وهي تعمل من أجل إيصال المعلومة للمشاهد أو القارئ.

من المؤكد أن هنالك، شركات أخرى تعمل في الدولة تتعامل مع عمالها، بشكل غير إنساني، وغير حضاري. ولعل الإضراب الأخير للعمال، والذي لا نعتقد أنه نفذ، بشكل عشوائي، ودون تنظيم دقيق، سواء في اختيار المكان أو في حجم المشاركين فيه، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء العمال الآسيويين قادمون من دول يمارس فيها الإنسان النشاط السياسي من خلال المؤسسات السياسية.

أو غيرها من الأطر التي تنظم الأفراد سواء في النقابات العمالية وغيرها، زد على ذلك أن لهؤلاء العمال أسراً في بلدانهم، وتلك الأسر تعتمد في توفير متطلبات حياتها، على الأموال التي يتم تحويلها لها.

ولك أن تتخيل ماذا سيحدث إذا لم تحصل على راتبها الشهري، إن ذلك سيؤدي إلى خلل في نمط الحياة، وربما يؤدي إلى أشياء لا يمكن تصورها، وكلنا يعرف أن أكثر أسر هؤلاء العمال من الطبقات الفقيرة!!.

إن على الجهات المعنية، والمسؤولة عن هذا القطاع المهم وهم العمال والشركات، أن تضع حداً، لهذا التلاعب بحقوق الإنسان، حتى لا يبرز فجر يوماً ما، ونجد أنفسنا أمام حملة دولية، تطالب بحقوق هؤلاء البشر، وأن يطبق القانون على الجميع دون استثناء.

إن الاستمرار بالعقلية القديمة، تهديد لأمن المجتمع واستقرار أفراده، فلا أحد يستطيع أن يتخيل سلوك الإنسان المظلوم، ولم يعد بالإمكان، عدم الحديث عن الأوضاع المعيشية، لهذه الطبقة، والتي نعتمد عليها في إنجاز المشاريع العمرانية العملاقة، سواء في أبوظبي، أم دبي، أم الشارقة وغيرها من مدن الدولة.

وسيظل الاعتماد على هذه العمالة الآسيوية ضرورياً لفترة ليست بالقصيرة، وفي الوقت نفسه، لا تزال منظمة العمل الدولية، تراقب وبشكل دقيق ما يجري في العالم.

إذا كان التعامل مع الإضراب، قد تم بشكل جيد، إلا أن ذلك لا يعني، بأي شكل من الأشكال، عدم فتح الملف، وبشكل تفصيلي، حتى لا يترك مجال لمن يرغب في التلاعب بالأمن الوطني والاستقرار، وإلا فكما كان يقال إن رأس المال جبان، وهو يبحث دائماً عن الأمن والأمان.

إن ما وصلت إليه الإمارات، بشكل عام في مجال سمعتها، كدولة تنعم بالأمن والأمان والاستقرار، وتتعايش كل الأمم والقوميات والمذاهب والأديان فيها بسلام، يجب ألا يترك فيها مكان لجشع أو استهتار.

أو عدم وعي أفراد لا يدركون أن العالم قد تغير، وأن ذلك القادم من آسيا أو غيرها هو إنسان جاء ليخدم، ولكنه لن يصبر إلى الأبد، حينما يشعر أن هنالك من يحاول استغلاله.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com