قبل أيام أعلنت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، أنها لا تقضي كثيراً من الوقت وهي تفكر بما يجب على القيادة السورية فعله كي تنال ثقة الإدارة الأميركية.
وفي ضوء ما تقوله رايس عن سورية تمنينا لو أنها فعلاً لا تقضي الكثير من الوقت وهي تفكر بها، فكل يوم نسمع كلاماً غير مفهوم منها عن سورية، وفي كل اجتماع تحضره، حتى إن كان يخص دول الكاريبي فإنها تتحدث عن سورية، وتحملها مسؤولية إشكال ما، وخلال هذا الأسبوع فقط أعلنت ثلاث مرات أن لسورية مشكلات مع العراقيين والفلسطينيين واللبنانيين، هذا ما نسمعه من أقوالها وتصريحاتها، أما ما لا نسمعه فهو أعظم، وهي أقوال وتصريحات تشير كلها إلى أن سورية مستهدفة أميركياً لمصلحة «إسرائيل».
الليكوديون الأميركيون المحيطون بالرئيس بوش من سريره إلى مكتبه الأبيض أعدوا خطة لاتهام سورية ومحاصرة دورها العربي والإقليمي قبل وصولهم إلى السلطة، وبالتحديد في أواسط التسعينيات، وهم الآن ينفذون هذه الخطة دون تعديل، ما يوقعهم في الأخطاء الناجمة عن المتغيرات الإقليمية والدولية، كأن يتحدثوا عن مسائل لم يعد لها أي وجود، ولأن تفكيرهم الليكودي يغلب على عقلهم فهم يواجهون الخطأ بالمزيد من الأخطاء، وهذا ليس بغريب عنهم والمثال على ذلك العراق، الغريب والمدهش أن تقع الدكتورة رايس وهي الأستاذة الجامعية والمثقفة والقارئة الجيدة للأحداث، والموسيقية المرهفة في أخطاء الليكوديين الأميركيين، علماً بأن هناك من يقول: إنها بعيدة نوعاً ما عنهم، وإنها من المفترض أن تكون كدبلوماسية أكثر وعياً لما تقول وأكثر حذراً مما يقولون.
لتسأل الدكتورة رايس نفسها: هل سورية حقاً مشكلة العراق أو مشكلة في العراق؟ بالتأكيد ستجد الجواب بالنفي، وإلا ماذا يمكن أن يقال عن احتلال بلادها للعراق، وما خلّفه هذا الاحتلال من قتل وتدمير يفوقان الوصف؟.. ماذا يمكن أن يقال عن أطفال العراق الذين تتمزق أجسادهم بقذائف الطائرات والدبابات الأميركية، وبإطلاق الرصاص بشكل مباشر عليهم من قبل الجنود الأميركيين الذي يدّعون الدفاع عن النفس؟
بالتأكيد إن السيدة رايس سمعت من يقول من العراقيين وغير العراقيين، وقرأت تقارير تؤكد أن قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني في العراق هي التي تشعل الفتنة الطائفية وتؤجج نيرانها عبر ما تقوم به من عمليات تفجير هنا وهناك.
نعم لقد قيل هذا الكلام، وكتب عنه خبراء ومتابعون بعضهم من الأميركيين، وبالتأكيد عرفت به الوزيرة رايس، والجواب متروك لها.
وعن الاتهامات الأميركية الموجهة إلى سورية عن الشأن الفلسطيني، هل سمع الأميركيون شكوى من القيادة الفلسطينية، وهم على اتصال مباشر ومستمر معها؟ بالتأكيد لا.. ولن يسمعوا؟ القصة وما فيها أن إدارة بوش لا تكتفي بالأخذ بما تريده حكومة شارون الليكودية بل تزايد عليها، وتعطيها مواقف ودعماً أكثر مما تطلب، وحكومة شارون تتمنى أن تزول سورية نهائياً من الوجود، كي تُزيل أهم عقبة أمام مشروعها التوراتي سيىء الذكر.
والشيء ذاته ينطبق على لبنان وما يجري فيه ويقال عنه، علماً أن أغلبية اللبنانيين يعبرون عن انزعاجهم من التدخلات الأميركية في شؤونهم الداخلية. ونسألها أيضاً: هل اشتكت الحكومة اللبنانية للسيدة رايس من أي نوع من أنواع التدخل السوري في القضايا الللبنانية اليومية؟!
أمس الأول، وللمرة العشرين هذا الشهر، أعلنت السيدة رايس لمجلة التايم الأميركية رداً على سؤال عما يجب على سورية فعله كي تحظى بالقبول الأميركي: «عليها أن تحظى بقبول العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين... المشكلة ليست معنا».
ومرة أخرى نقول: عفواً رايس قولي كلاماً يقبله العقل والمنطق. فمن نصّبك ناطقاً باسم العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين؟!..